ألهمت مهندسي وفناني العالم.. ووُصِفَت بـ «كوكب في مداره الخاص»

    بالفيديو: زها حديد..العبقرية مخترعة الزاوية 89

    لكل إنجاز حكايته الخاصة، التي تختلف مع اختلاف صاحبه ونظرته إلى ما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غيّر مجرى التاريخ. ومهما اختلف العمل في تركيبته، والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، والتي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة، هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها، هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار.. فمن هن الملهمات في التاريخ؟


    كحال معظم القواعد التي نجحت في كسرها بجدارة في مجال الهندسة، استطاعت المعمارية العراقية العبقرية زها حديد، أن تكسر، أيضاً، قاعدة الحاجة لملهم يغذي مخيلة المبدع لديها، بل نجحت بابتكاراتها الخارجة عن المألوف، وقدرتها الفذة على رؤية «الصندوق» من خارج الصندوق، أن تتحول إلى ملهمة حقيقية لمهندسي العالم، والفنانين عامة.

    سواء بشغفها، أو بقدرتها غير المعتادة على رؤية الزوايا غير المرئية، وتحويل المباني لأعمال فنية من الطراز الأول، قدمت حديد التي وصفت بـ«ملكة المنحنى»، و«مخترعة الزاوية 89»، ما يقارب الـ1000 مشروع، في 44 دولة، تاركة خلفها إرثاً لا يتكرر من الإنجازات غير المسبوقة في مجالها، وإلهاماً يهتدي به كل مبدعي الهندسة، أو ما يمكن وصفه في حالتها بـ«فن الهندسة».

    للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

    ولدت الراحلة زها حديد في 31 أكتوبر 1950 بالعاصمة العراقية بغداد، لعائلة من الطبقة الراقية، وكان والدها محمد الحاج حسين حديد، رجل أعمال ثرياً في مجال الصناعات من محافظة الموصل، كما أسهم في تأسيس «مجموعة الأهلي» الليبرالية اليسارية عام 1932، والتي كانت إحدى أكثر المنظمات السياسية تأثيراً في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى مشاركته في تأسيس الحزب الديمقراطي في العراق، كما عمل وزيراً للمالية بعد إطاحة النظام الملكي عام 1958، وفي المقابل، كانت والدة زها فنانة من الموصل، وكان شقيقها فولاذ حديد، كاتباً ومحاسباً، وخبيراً بالشؤون السياسية العربية.

    في إحدى المقابلات، قالت حديد إن رحلات العائلة إلى المدن السومرية القديمة، خلال طفولتها، كان لها عظيم الأثر في شغفها بالعمارة، وإنها كانت الشعلة التي أجَّجت حبها واهتمامها بالهندسة المعمارية، إلا أن هذه الرحلات الطفولية انتهت، بعد أن التحقت الفتاة الصغيرة بمدرسة داخلية في كلٍّ من إنجلترا، وسويسرا، لكن يبدو أنها كانت كافية لأن تحولها إلى «المرأة الأقوى في عالم الهندسة»، وهي واحدة من العديد من الألقاب التي نعتت بها.

    الزاوية 89

    درست حديد علم الرياضيات بالجامعة الأميركية في بيروت، قبل الانتقال إلى عاصمة الضباب لندن عام 1972، وإكمال دراستها في كلية الجمعية المعمارية، وهناك استطاعت أن تلهم معلميها من أمثال رم كولهاس، وإلياس زينغيليس، وبيرنارد تشومي، حيث وصفها بروفيسورها السابق كولهاس بأنها كانت «كوكباً يدور في مداره الخاص»، بينما وصفها زينغيليس بأنها أكثر طلبته بروزاً وتفوقاً على الإطلاق، وبأنها لقّبت بـ«مخترعة الزاوية 89، ولم تكن الزاوية العمودية 90». وقال زينغيليس، في أحد اللقاءات عن حديد، إنها «لم تكن تعر اهتماماً كبيراً للتفاصيل الداخلية الصغيرة كالسلالم مثلاً، فقد كان لا ضير بالنسبة لها أن ترسم سلالم قد تصل بك إلى السقف دون مراعاة للمساحة، فقد كان تفكيرها مشغولاً دائماً بالنظرة الكبرى والفكرة النهائية، وعندما كان الأمر يصل إلى إصلاح هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعلم جيداً بأننا سنكون موجودين لتعديلها، ولقد كانت محقة بذلك».

    بعد تخرجها عام 1977، عملت حديد في مكتب معلميها بالجامعة، البروفيسور كولهاس، والبروفيسور زينغيليس، في روتردام بهولندا، ومن خلال هذا التعاون، التقت حديد المهندس بيتير رايس (مصمم دار الأوبرا الشهير في سيدني)، والذي كان مصدر إرشاد ودعم لها في تلك المراحل الأولى من حياتها العملية.

    حصلت حديد على الجنسية البريطانية في تلك الفترة، كما انتقلت إلى بريطانيا لتفتتح عام 1980 شركتها الخاصة هناك والتي حملت اسمها، وخلال السنوات الأولى من هذا العقد، استطاعت حديد أن تقدم للعالم نظرة مختلفة تماماً وجديدة للتصاميم المعمارية الخارجة عن المألوف في الوقت الذي كانت فيه الهندسة المعمارية لاتزال تدور حول المدرسة ما بعد المعاصرة، ما جعلها تبرز وتتميز بشكل لافت ودون منازع.

    إلهام علمي

    لم تتوقف اهتمامات حديد عند ابتكار فنون معمارية جديدة، بل انصبت أيضاً على إلهام وفتح أبواب جديدة لطلبة الهندسة المعمارية، حيث بدأت التدريس في الكلية ذاتها التي درست فيها شخصياً، ومن ثم تنقلت حديد وعلى مدى سنوات بين عدد من الجامعات المرموقة، مثل جامعة هارفارد، وجامعة كامبريدج، وجامعة شيكاغو، وهوشل فور بيلدين كونست في هامبرغ بألمانيا، وجامعة إلينوي في شيكاغو، بالإضافة إلى جامعة كولومبيا، حيث حظيت بسمعة وشهرة واسعتين من خلال محاضراتها وتصاميمها الأولى النابضة باللون والحياة، والتي كانت تُنشر بشكل واسع في المجلات المعنية بالعمارة.

    منزل معتاد

    على الرغم من إنجازها للعديد من التصاميم المعمارية الخارجة عن المألوف، فإنها لم تقطن في منزل مشابه لتصاميمها الشخصية، بل في الطابق الأعلى من مبنى عادي دون «انحناءات» خطوطها المعتادة في التصميم، وقد سئلت في إحدى المقابلات عن ذلك، فكان ردها ببساطة: إن «هذا المنزل لم يكن مشروعي». ورغم ذلك فإن التصميم الداخلي يصرخ بروحها المتمردة المحتضنة للمختلف، بكثير من قطع الأثاث، واللوحات، والزوايا التي تحمل توقيعها، في منزل يبدو كمتحف للفن المعاصر. كانت حديد من أولى النساء اللواتي حصلن على جائزة «بريتزكر» في الهندسة المعمارية عام 2004، وهي تعادل في قيمتها جائزة نوبل في الهندسة، وجائزة «ستيرلينغ» لسنتين على التوالي، وحازت وسام الإمبراطورية البريطانية، والوسام الإمبراطوري الياباني عام 2012، والميدالية الذهبية الملكية في مجال الفنون الهندسية عام 2016، لتصبح أول امرأة تحظى بها.

    طباعة