10 أيام لاستكشاف أيقونة إفريقيا السياحية

    رواندا.. 60 دقيقة وجهاً لوجه مع الغوريلا الجبلية

    صورة

    لحظات من التردد والقلق قد تنتاب زائراً ما حين التفكير في الذهاب إلى رواندا، فلا تفاصيل كثيرة تؤنس قرار استكشاف تلك الوجهة المجهولة، ولا معلومات كثيرة متوافرة باللغة العربية، أو حتى شهادة يستطيع ذلك العازم على السفر تقديمها إلى والديه، اللذين قد لا يقتنعا بالفكرة حتى بعد شراء تذكرة الطائرة!

    300

    نوع من الطيور في حديقة نيونغوي الوطنية.

    350

    غوريلا جبلية في رواندا وحدها تراقب عن كثب ضد التهديدات التي تشكل خطراً على حياتها.

    - ينصح بعدم إحضار أكياس بلاستيكية إلى رواندا، التي أصدرت قراراً بمنع استخدام الأكياس البلاستيكية في عام 2008.

    ولكن ذلك الزائر الذي سيمضي إلى تجربته في القارة السمراء بعقل منفتح، يقيناً سيقضي 10 أيام حافلة في رواندا، التي ارتبطت صورتها بالفقر والخطر، وبحرب أهلية، شهدت البلاد فيها واحدة من أبشع حروب الإبادة الجماعية، التي راح ضحيتها ما يقارب المليون نسمة في تسعينات القرن الماضي.

    10 أيام ستكون كفيلة بتلمس التغيرات الجذرية والنقلة النوعية التي جعلتها عاصمة أيقونة السياحة في القارة الإفريقية، والأكثر أماناً بينها، إذ تقدم اليوم تجربة فريدة تجعلها تحتل المراتب الأولى في إفريقيا، في الوقت الذي استطاعت فيه أن تصل بأعداد السياح عام 2018 إلى أكثر من مليون سائح.

    البداية

    تبدأ الرحلة في العاصمة كيغالي، التي تبعد ست ساعات في الطائرة، ليكون أول ما يلفت الانتباه الطقس المعتدل، الذي لم يتجاوز 20 درجة مئوية في شهر سبتمبر، ونظافة المدينة وشوارعها، إذ لا تكاد تلمح أي مكبّ للقمامة، ومنذ اللحظة الأولى لوصولك العاصمة الرواندية، ستشعر بالألفة التي تبعثها الوجوه المبتسمة والمرحبة بالضيف، لتشكل بذلك وجهة مثالية للمسافرين كأفراد، نساء أو رجالاً، ويمكن التنقل في العاصمة بالتكسي التي يمكن الاتفاق على الأجرة فيها سلفاً بمعدل 10 دولارات وسطياً، قد تزيد أو تنقص، بحسب الوجهة، أو تكسي الدراجة النارية التي تضيف للتنقلات في المدينة طابعاً مميزاً، تستطيع فيها كزائر اكتشافها بقرب يشبه تجربة السكان المحليين، مقابل دولار واحد فقط للمشوار!

    حيث تستريح الجثث

    كان لابد من خوض رحلة عبر الزمن للتعرف إلى تاريخ البلد، ليستقبلنا متحف الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في عام 1994، كوجهة أولى، وهو المكان الأخير الذي تستريح فيه جثث أكثر من 250 ألفاً من ضحايا الإبادة الجماعية ضد التوتسي، يعرض المتحف بعض متعلقات الضحايا، صورهم، قصصهم وحتى بعض العظام، ولايزال مكاناً للتذكر والتعلم، لتكريم ضحايا الإبادة الجماعية، والتأكد من عدم حدوثها مرة أخرى.

    حديقة نيونغوي

    الطريق إلى الحديقة لا يقل إدهاشاً عنها، مشاهد خيالية من الغابات الممتدة على طول الطريق، ومن الطبيعي جداً أن توقف سيارتك عائلة من القرود الإفريقية التي اختارت وسط الطريق مكاناً للاسترخاء وسط النهار.

    وصلنا إلى الغابة المطيرة الأكبر، وواحدة من أقدمها في إفريقيا، في منطقة جبلية تعد مأوى لأكثر من 300 نوع من الطيور، وأكثر من 70 نوعاً من الثدييات، كالقطط البرية والنمس، وأكثر من 1000 نوع من النباتات.

    تستغرق الجولة ساعتين، مع بعض الوقفات التي لابد منها، للاستمتاع بالمناظر الخلابة التي تجعلك لوهلة تنسى أن عليك إكمال الطريق لتصل جسراً معلقاً ضيقاً تترامى مزارع الشاي والغابات على طرفيه، ويصل طرفي الغابة ببعضهما بطول 200 متر، وارتفاع 50 متراً عن الأرض، هناك وفي منتصف الجسر فضاء رحب وصورة مبهرة لطبيعة بصورة بانورامية، وقفة في قلب بالطبيعة حرفياً، ومغامرة احتاجت بعض الجرأة والشجاعة، لكنها تستحق فعلاً، ويمكن القيام بتلك المغامرة مقابل 60 دولاراً للشخص الواحد.

    اليوم المنتظر

    حان موعد اليوم المنتظر من أول الرحلة، وعلى غير العادة، كانت فكرة الاستيقاظ في الساعة الخامسة صباحاً أمراً شائقاً وحماسياً للغاية، اجتمعنا في بهو الفندق استعداداً للتجهيزات الأخيرة، قبل بدء يوم طويل وحافل، فنحن على موعد مع الغوريلا الجبلية لزيارتها في موطنها الأصلي، فكرة أثارت لدي الدهشة والكثير من الأسئلة، كيف سنتصرف هناك في مواجهة مع كائن بريّ مجهول الطباع تماماً، فرؤية الغوريلا الجبلية أمر لا يحدث ولا يتكرر كل يوم.

    بعد التأكد من ارتداء الحذاء الخاص بالمسير الشاق بقلب الغابة، وإحضار المعطف المطري، جمعت معدات الكاميرا الخاصة بي، وانطلقنا إلى حديقة فولكانوز الوطنية.

    بالنسبة إليَّ وإلى كثيرين، رؤية الغوريلا الجبلية التي يبلغ عددها 1000 في كل من رواندا وأوغندا والكونغو، سبب كاف وحده لزيارة رواندا.

    وعلى الرغم من أن الغوريلا الجبلية مُدرجة في قائمة الحيوانات المهدّدة بالانقراض، ستضمن وجودها ورؤيتها في حديقة فولكانوز الوطنية، التي تسعى رواندا بجهود حثيثة للحفاظ عليها، حيث تتابع الغوريلا الجبلية، البالغ عددها في رواندا وحدها 350 عن كثب، وتراقبها ضد التهديدات التي تشكل خطراً على حياتها.

    وصلنا الساعة السابعة صباحاً إلى مركز الزوار التابع للحديقة، مكان يعج بالسياح من كل مكان، قدموا لرؤية الغوريلا الجبلية، الأمر الذي جعلني متيقنة تماماً بأنها نقطة الجذب السياحي الأولى في رواندا.

    تلقينا التعليمات اللازمة قبل التوجه لزيارة العائلة المخصّصة لمجموعتنا المكونة من ثمانية أفراد فقط، من أصل 15 عائلة تستقبل 96 سائحاً يومياً فقط، من أجل الحد من تأثير السياح في الغوريلا الجبلية في موطنها، وللتخفيف مما قد تحدثه هذه الزيارات من تغيير في طبيعة ومزاج الغوريلا الجبلية.

    ويمكن تحديد مدى صعوبة الرحلة التي تريدها للقاء الغوريلا الجبلية التي تعيش على ارتفاع يراوح بين 2400 و4000 متر، بين السهل والمتوسط والصعب.

    زودنا الدليل الذي سيأخذنا لزيارة عائلة الغوريلا الجبلية «سابيينو»، بعصا الاتكاء التي سنحتاجها في رحلتنا في قلب الغابة، ومجموعة إرشادات منها ترك مسافة سبعة أمتار عند رؤية الغوريلا الجبلية، الأمر الذي كان صعب التحقيق في بعض الأوقات التي كان أمر اقترابها منك متروكاً لها، وعدم النظر مباشرة بعين الغوريلا الجبلية، أو الإشارة بالإصبع، ما يشكل تحدياً بالنسبة إليها، والابتعاد عن ارتداء اللون الأحمر، وعدم استخدام ضوء الكاميرا، وإبقاء الصوت منخفضاً طوال الوقت. في قلب الغابة المملوءة بنبات الخيزران المفضل لدى الغوريلا الجبلية، باعتبارها نباتية، لا تسمع سوى أصوات الطيور وبعض القردة، محاطة تماماً في قلب الغابة المطيرة بالنباتات الكثيفة، ليلوح لنا أول فرد من عائلة الغوريلا بعد مسير ساعة ونصف بقلب الغابة، أصدر المرشد الذي رافقنا طوال الرحلة بعض الأصوات مطمئناً أكبر أفراد عائلة الغوريلا الجبلية الملقب بـ«بيغ بين»، أننا هنا للزيارة فقط، بعيداً عن أي تهديد بالاستحواذ على أرضها في موطنها الأصلي، في محاكاة بديعة لأصواتها.

    أتذكر تماماً اللحظة الأولى التي كشفت فيها تلة خضراء مرتفعة قليلاً وجود بقية أفراد العائلة، التي يقارب عددها الـ16 من صغار الغوريلا الجبلية من الذكور والإناث، مشاعر مختلطة من الرهبة والخوف والسعادة الغامرة، في ساعة قضيناها بين التأمل والاندهاش والتقاط الصور.

    ويمكن حجز رحلة لزيارة الغوريلا الجبلية عن طريق مجلس تنمية رواندا، مقابل 1500 دولار للشخص، فيما يتم استثمار 10٪ من هذا المبلغ في مشاريع تعود بالفائدة على المجتمع المحلي في قطاعات مختلفة كالتعليم والصحة، ويستثمر ما تبقى من العائدات في الحفاظ على الغوريلا الجبلية وبيئتها وحمايتها وإجراء الدراسات.

    «كويتا إيزينا»

    تسنّى لنا خلال زيارتنا إلى رواندا، حضور الفعالية الأكبر سنوياً على مستوى البلاد «كويتا إيزينا» بدورتها الـ15 هذا العام، والتي تعد جزءاً من الثقافة والتقاليد الرواندية منذ قرون، وتعني التسمية، تسمية 25 فرداً من صغار الغوريلا الجبلية.

    حيث تبذل حكومة رواندا، من خلال مجلس تنمية رواندا، وبالتعاون مع شركائها في المجتمع المحلي، جهوداً من أجل حماية الغوريلا الجبلية وموائلها، لتكون فعالية «كويتا إيزينا» فرصة للتعريف بهذه الجهود، ودعوة عالمية لبذل الجهود للحفاظ على الغوريلا الجبلية المهددة بالانقراض.

    وأقيم التقليد السنوي «كويتا إيزينا» في السادس من سبتمبر، بحضور رئيس الجمهورية الرواندية بول كاغامي، ومشاهير ومهتمين بالبيئة من كل أنحاء العالم، حيث حضرت نسخة هذا العام عارضة الأزياء نعومي كامبل، والمغني الأميركي ني يو، والمدرب السابق لبرشلونة وأياكس أمستردام وبايرن ميونيخ الهولندي لويس فان غال.

    قوارب في بحيرة كيفو

    لماذا هذه الوجهة؟

    • واحدة من أنظف الدول وأكثرها أماناً في إفريقيا.

    • وجهة مثالية لمن ينوون السفر كأفراد أو مجموعات، لتمتعها بدرجة أمان عالية، ولطبيعة الشعب المضيافة التي تستقبل الوجوه الغريبة بحفاوة.

    • لا يحتاج الإماراتيون إلى إصدار تأشيرة لدخول رواندا، ويحصل المقيمون في الدولة على تأشيرة دخول إلى رواندا لدى الوصول في المطار.

    • الشعب يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ما يجعل التواصل سهلاً ومريحاً.

    • لا تحتاج إلى ميزانية عالية، حيث تعد من الأماكن السياحية ذات التكلفة المنخفضة، بحسب النشاطات التي تنوي القيام بها هناك.

    كان لابد من تجربة إحدى الرياضات المائية التي توفرها بحيرة كيفو، الواقعة غرب رواندا، وتعد سادس أكبر بحيرات إفريقيا، الممتدة على طول 90 كم، والتي تشترك بحدودها مع الكونغو، إذ يمكن التمتع برحلة في القارب أو تجربة قوارب التجديف.

    مشهد الغروب في قلب البحيرة كان بديعاً، يحمل من الهدوء والصفاء ما يكفي ليشكل فرصة مثالية للزائر للتأمل وصفاء الذهن بعيداً عن ضوضاء المدينة.

    قصر الملك في نيانزا

    لا يخفي نمط الحياة الإفريقية غرابته واختلافه المثير للاهتمام، إذ تمحورت الحياة حول الملك وتلبية حاجاته، حيث تحيط بقصر الملك أشجار لحمايته، وتحمل هذه الأشجار قيمة روحية في الثقافة الرواندية.

    وفي القصر المؤسّس منذ عام 1931، والذي يبعد ساعتين ونصف الساعة عن كيغالي، عاش ملوك رواندا جميعاً، كما يعد موطناً للأبقار الملكية المسماة «إنيامو»، والتي تحمل قيمة ورمزية كبيرة في الثقافة الرواندية.

    كما يحيط بقصر الملك بيت للحليب، كان مخصصاً لفتاة الحليب التي تعيش وتعد مسؤولة عن تحضيره، والتأكد من جودته، ويمنع عليها الزواج حتى يتوفى الملك. فيما يعيش في البيت الآخر شخص مسؤول عن تجربة الشراب الذي يقدم للملك، للتأكد من أنه خال من السمّ.

    حقول الشاي في ساكورا

    واحدة من أمتع التجارب للباحثين عن الاتحاد مع الطبيعة والانغماس مع السكان المحليين في حقول ساكورا للشاي والممتدة على مساحة 1300 هكتار، في تجربة تعلمت فيها كيفية قطف أوراق الشاي، ومراحل تصنيعه، من النساء المحليات اللواتي قدّمن من خبراتهن أفضل الطرق لجني أوراق الشاي بسرعة تمكنهن من حصاد 60 كيلوغراماً يومياً.

    وتحتل صناعة الشاي المرتبة الثانية في الدخل القومي بعد السياحة، وتبلغ تكلفة الزيارة ما يقارب الـ30 دولاراً للشخص الواحد تقريباً.

    سفاري في حديقة أكاغيرا

    عند زيارة إفريقيا، لابد من القيام برحلة السفاري، وكانت حديقة أكاغيرا الوطنية الواقعة في شرق رواندا وجهتنا، تعانق الحديقة الحدود مع تنزانيا، وتتميز بالغابات، والمستنقعات، والجبال المنخفضة والسافانا، تتنوع التضاريس البرية في الرحلة التي استغرقت ست ساعات في المشاهد الحيّة لحيوانات المحمية كالفيل الإفريقي الضخم والزرافات والأسود والحمير الوحشية، ومئات أنواع الطيور، وفي الجزء الجنوبي من الحديقة، تعد بحيرة «إيهيما»، التي تعد موطناً لفرس النهر والتماسيح، ويمكن القيام برحلة السفاري بما يقارب الـ70 دولاراً.

    سنجعل من بلدنا جنة

    يخرج الروانديون في السبت الأخير من كل شهر، للمشاركة في خدمة مجتمعية تطوّعية، يطلق عليها «أوماغاندا»، وتعني مشاركة الجميع لتحقيق هدف مشترك، كحفر بئر أو بناء منزل أو تعبيد شارع، على وقع أهازيج شعبية يشحذون بها الهمم، ويستفزون بها حب البلد، حيث تقول كلمات إحدى الأغنيات «سنبني رواندا، سنجعل من بلدنا جنة على الأرض».

    وقديماً كان الروانديون يطلبون المساعدة من أهلهم وجيرانهم لإتمام مهمة ما، واليوم يشاركون جميعاً مع السياح في «الأوماغاندا»، في محاولة لتطويق آثار الحرب الأهلية.

    طباعة