الأرض التي ترحل إليها قلوب العرب كل يوم

«القدس».. جبال تحرس «الأقصى» والتاريخ والحضارة

صورة

125 كيلومتراً مربعاً هي مساحة مدينة القدس، تبلغ مساحة الجزء الشرقي منها 70 كيلومتراً، وهو الذي تقع فيه مدينة القدس القديمة التي تحتوي على أقدس الأماكن للديانتين الإسلامية والمسيحية، وتضم بين جنباتها أجمل الأماكن ذات الطبيعة الخلابة، والحضارة العريقة.

على طول مساحة الجزء الشرقي من القدس، يستمتع المتجوّل بكلّ ما تشاهده عيناه في مدينة القدس وشوارعها وحارتها، فالمعالم الحضارية والأماكن الطبيعية فيها لا حصر لها، فمن الشوارع تتفرع الأزقة التي تزداد جمالاً بقببها وجدرانها العتيقة، وتلك الأزقة تأخذك إلى طريق طويلة لا كلل فيها ولا ملل.

فالمرور من باب حطة وحارة الشرف، والانتقال عبر طريقي الآلام والواد، للوصول إلى الأزقة الضيقة، والأسواق العتيقة، ودخول المسجد الأقصى عبر باب العامود، والصعود على مدرجات مدينة سلوان، وتسلق جبل الطور، رحلة جميلة بكل تفاصيلها، تمنح النفس السكون، وتطفئ النيران في القلوب المشتاقة لرؤيتها.

تلك المعالم تداعب بجمالها أفئدة الوفود العربية القادمة إلى المدينة المقدسة، التي تشتاق إليها تلك الأماكن والمعالم، لتكون تلك الزيارة ذات اتجاهين، التأكيد على هويتها العربية والإسلامية، والاستمتاع بمشاهد الجمال والحضارة.

المعالم المقدسة

«الإمارات اليوم» تجولت في رحلة جميلة وخاطفة بين جنبات الجمال والهدوء، إذ جابت أجمل الأماكن والمعالم في مدينة القدس، فالقادم إلى المدينة المقدسة للوهلة الأولى ستلمع عيناه ببريق شوارعها وحاراتها وجبالها وأسواقها، وهي ترسم ملامح تاريخية، يفيض من بين جدرانها عبق الأصالة والعراقة، لتكتمل الزيارة جمالاً بالتجول داخل أسوار المدينة العتيقة التي تحتضن القدس كاحتضان الأم وليدها. المحطة الأولى في جولتنا، المسجد الأقصى المبارك وساحاته ومعالمه العديدة، وهي أبرز الأماكن التي يشتاق لزيارتها كل عربي ومسلم، إذ تبلغ مساحة المسجد 144 دونماً، ويحتل سدس مساحة البلدة القديمة في القدس، وشكله شبه مستطيل.

ويقول مدير أكاديمية الأقصى للوقف والتراث ناجح بكيرات لـ«الإمارات اليوم»: «المسجد الأقصى له مكانة خاصة في قلب كل مسلم، فهو ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، ومنه عرج النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء، وقد ظل على مدى سنوات طويلة مركزاً لتدريس العلوم ومعارف الحضارة، وميداناً للاحتفالات الدينية الكبرى».

ويضيف «الزائر إلى المسجد الأقصى ستبهره معالمه العديدة، فهو يتكون من أبنية عدة، ويحتوي معالم يصل عددها إلى 200 مَعْلم، منها قباب وأروقة ومحاريب ومنابر ومآذن وآبار، وغيرها».

ويشير بكيرات إلى أن أكثر المعالم التي تتحرق إليها شوقاً قلوب المسلمين في المسجد الأقصى هي قبة الصخرة المشرفة، ذات اللون الذهبي، وموجودة في قلب موقع المسجد، والجامع القبلي الذي يتميز بقبته السوداء الرصاصية، والواقع أقصى جنوب المسجد، في اتجاه قبلة الصلاة.

مقدسات مسيحية

أسوار البلدة القديمة كما تحتضن المسجد الأقصى وآثاراً إسلامية عديدة، فإنها تزداد جمالاً عندما تكون رمزاً للهلال والصليب معاً، فعلى تلة الجلجلة الواقعة في الجزء الشمالي الغربي لمدينة القدس في الحي المسيحي داخل الأسوار، تقع كنيسة القيامة التي بنيت عام 326 م، من قبل الملكة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين الأكبر في العهد البيزنطي. ويقول أمين عام الهيئة الإسلامية المسيحية في القدس حنا عيسى، إن «كنيسة القيامة هي من أعرق كنائس بيت المقدس، استغرق العمل في بنائها 11 عاماً، وهي منذ عهد الملكة هيلانة حتى اليوم تمثل وجهة الحج المسيحي في العالم، ومنطقة جذب سياحي لكل الوفود العربية والأجنبية الزائرة».

ويشير عيسى، إلى أن كنيسة القيامة تزخر بالمشاهد الجمالية الفنية، فهي نموذج مشرق لرقي فن العمارة وهندستها، مضيفاً «لايزال بهاؤها ظاهراً حتى اليوم ماثلاً أمام الناظرين، ويدخل البهجة إلى قلوبهم عند رؤيتها، فالكنيسة تشكل تزاوجاً معمارياً فريداً بين المدارس الفنية المختلفة، خصوصاً الشرقية والغربية».

سلسة جبال القدس

من سطح الأرض والتنقل عبر مدرجات أبواب المسجد الأقصى والأزقة الضيقة، إلى سفوح جبال القدس عديدة الأسماء والارتفاعات، رحلة أخرى مملوءة بالمناظر الجميلة الخلابة، وهذه الجبال هي، جبل النبي صموئيل، وجبل بطن الهوى، وجبل المكبر، وجبل الطور، وجبل موريا (جبل بيت المقدس)، وجبل صهيون.

سنصعد في جولتنا إلى جبل الطور أو كما يعرف جبل الزيتون، وهو يشرف على مدينة القدس بشطريها القديم والحديث، ويرتفع عن سطح البحر بمقدار 826 متراً، وتقع أسوار الحرم القدسي الشريف في واجهته من الشرق.

وجبل الطور عبارة عن سلسلة من الجبال الممتدة شمالاً وشرقاً من تل القدس إلى قمم جبل المبكر، ومن الناحية الدينية يعدّ جبل الطور من الأماكن المقدسة.

وبين الأشجار المتناثرة على طول جبل الطور، تتربع الكنيسة الجثمانية، الواقعة بمنطقة وادي قدرون الممتد على طول أربعة كيلومترات بين جبل الطور وبلدة سلوان الخاصرة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك. وتسمى الكنيسة الجثمانية، بحسب أمين عام الهيئة المسيحية الإسلامية حنا عيسى، أيضاً باسم كنيسة مريم المجدلية، وكنيسة كل الأمم، وتعني الجثمانية معصرة الزيت باللغة الآرامية، وكانت تحت الكنيسة معصرة من أملاك القديسة حنه، جدة المسيح عليه السلام لأمه، وكان يتردد عليها هو وتلاميذه باستمرار ويجلسون عند المعصرة التي لم يعد لها أثر اليوم بفعل العوامل الطبيعية. ومن بين المعالم المسيحية في المدينة المقدسة، التي تخطف قلوب الزائرين العرب، ضريح سيدتنا مريم العذراء، وطريق الآلام التي سار عليها المسيح متجهاً إلى تلة الجلجلة، ذلك الطريق الذي يبلغ طوله كيلومتراً واحداً، وتتكون طريق الآلام من 14 مرحلة، التسع الأولى منها خارج إطار كنيسة القيامة، والخمس المتأخرة داخلها.

الأسواق العتيقة

بعد التجوّل والصعود والرجوع إلى الأرض ثانية لابد من استراحة للتأمل في عظمة هذا التاريخ، والجلوس في مطعم ومقهى للاسترخاء وتناول الأطعمة المقدسية التراثية، واحتساء الشاي أو القهوة، فهذا جميعه سيكون موجوداً في الأسواق العتيقة بالبلدة القديمة. التنقل بين أزقة القدس العتيقة، والساحات الداخلية لأبواب المسجد الأقصى سينقلك إلى جانب آخر من الجمال والحضارة، إذ تعد الأسواق في البلدة القديمة من مدينة القدس واحدة من أبرز معالمها، وهي في معظمها تجاور الحرم القدسي الشريف، وأصبحت جزءاً من أسواره.

وتقول الصحافية المقدسية ميسا أبوغزالة لـ«الإمارات اليوم»، إن أسواق القدس عديدة، وأغلبيتها موجودة في الأزقة الضيقة، إذ تجد على جانبي الشارع محال تجارية تعتليها منازل مقببة الأسقف، وعلى نوافذها مشربيات خشبية، وفي كل شارع طويل تستقر محال تجارية مختصة بنوع من البضائع، ويطلق عليها اسم البضائع التي تبيعها، ومن أشهرها سوق العطارين واللحامين وباب القطانين وسوق الحصر والبازار وباب السلسلة والخواجات وباب خان الزيت. وتؤكد أبوغزالة، أن الأسواق العتيقة في البلدة القديمة، تستهوي قلوب زائريها، ففيها رائحة الحضارة العريقة تفوح في أرجاء المكان.

سوق خان الزيت، واحد من أهم وأكبر أسواق البلدة القديمة في القدس، وهو الذي يعد عصب القدس، وأشهر أسواقها، وأطولها، حيث يتحد من نقطة مفترق شارع الواد خان الزيت بعد مدخل باب العامود، حتى سوق العطارين. الدخول إلى سوق خان الزيت يكون بالمرور عبر المدرجات الداخلية والخارجية لباب العامود أحد أكبر أبواب المسجد الأقصى المبارك، فالمتجوّل لا يحتاج سوى السير لأمتار عدة عبر تلك المدرجات، حيث يتصدر السوق مدخل الباب.

وما إن تطأ قدم الزائر سوق خان الزيت، حتى يجده يعج بالمحال التجارية المتعددة، في وسط السوق محمص القضماني وهو من أقدم المحال التجارية التي اشتهرت ببيع المكسرات والحلويات، والذي ورثه صاحبه عن أبيه منذ عام 1948، وعلى بعد أمتار منه يقع محل العمد لبيع الحلاوة، والقائم منذ 100 عام في المدينة المقدسة.

وقرب درج الأقباط يقع محل «سمير زلاطيمو» للحلويات وهو قائم منذ عام 1860، الذي اشتهر بصنع «المُطَبْق» الذي كان الناس يقبلون عليه للإفطار، والذي يصنع من الطحين والسميد والجبنة البلدية النابلسية، ويحمل الطعم نفسه منذ عشرات السنين، ويعد هذا المحل أساساً لكل فروع محال زلاطيمو في القدس.


- الكنيسة الجثمانية فوق معصرة زيتون من أملاك جدة المسيح.

- المسجد الأقصى يتكون من أبنية عدة، ويحتوي على 200 مَعْلم.

125

كيلومتراً

مربعاً مساحة

مدينة القدس.

144

دونماً مساحة

المسجد الأقصى

وهي سدس مساحة

البلدة القديمة.

طباعة