رئيسة قسم بإدارة الطب الشرعي في دبي

سارة مقهوي.. أنامل ناعمة في «مشرحة الجثث»

صورة

بخُطى ثابتة وقلب جريء مؤمن بنبل الرسالة ودورها في كشف الحقائق، استطاعت الدكتورة سارة مقهوي، أن تعمل في تخصص نادر، وبعيداً عن خيارات المرأة، وهو «الطب الشرعي».

لم تمنعها طبيعتها كامرأة من أن تمسك بمشرط تشريح الجثامين، وتكون من أوائل الأطباء الشرعيين الذين دخلوا هذا المجال من الإناث والذكور في الإمارات. حصلت على ماجستير الطب الشرعي من جامعة داندي بإسكتلندا عام 2011، واستطاعت في فترة قياسية أن تكون رئيسة قسم الفحص الطبي بإدارة الطب الشرعي، ومن أبرز الوجوه الإماراتية في هذا التخصص.

10 سنوات

عن تفاصيل رحلتها لأكثر من 10 سنوات في مجال تنفر منه النساء ولا يحبه الكثير من الرجال، تقول الدكتورة سارة مقهوي، لـ«الإمارات اليوم»: «بدأ شغفي بعلم الأحياء منذ الصغر، وأهَّلني تقديري المرتفع في مرحلة الثانوية العامة، للالتحاق بكلية دبي الطبية للبنات في عام 2003، وفي العام الدراسي الرابع، التحقت كمنتسبة بالقيادة العامة لشرطة دبي، وحصلت على درجة بكالوريوس الطب والجراحة العامة في عام 2008».

وتكمل مقهوي: «عملت كطبيبة امتياز لمدة عام كامل عقب تخرجي مباشرة، وتنقلت بين مستشفيات عدة في دبي، منها لطيفة وراشد ودبي والمكتوم والعيادات الخارجية، إضافة إلى المراكز الصحية التابعة لهيئة الصحة بدبي، التي أكسبتني كثيراً من الخبرات العملية في فترة قصيرة».

وتضيف الطبيبة الشرعية: «إنها انتقلت في عام 2009 للعمل كطبيب شرعي بشرطة دبي، ثم تم ابتعاثها لاستكمال دراساتها العليا بالخارج، لتعود بعد عام من الدراسة المتواصلة إلى حضن الوطن، حاصلة على درجة الماجستير في الطب الشرعي من جامعة داندي بإسكتلندا».

واتخذت مقهوي من عملها كخبير مساعد طبيب شرعي بشرطة دبي نقطة انطلاقها في عالم الطب الشرعي، وتمكنت خلال ثمانية أشهر من اجتياز الدورة العسكرية، لتتحول من الكادر المدني إلى الكادر العسكري، وحصلت على رتبة عسكرية، وتم منحها درجة خبير لتصبح في عام 2017 رئيسة لقسم الفحص الطبي بإدارة الطب الشرعي.

البداية

عن بداياتها، تقول مقهوي: «بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية، فكرت في الاتجاه إلى التخصصات الطبية التي تناسب طبيعة المرأة، وبالفعل طرقت باب طب الأسرة، ولكن بعد أقل من أسبوع، لم أجد نفسي في هذا التخصص، وقادتني رغبتي نحو تخصص الطب الشرعي، وبتشجيع من أسرتي، ودعم والدي لي كونه رجلاً عسكرياً قديماً، خطوت أولى خطواتي في هذا المجال، الذي كان يفتقر للعنصر النسائي من مواطني الدولة».

وتضيف أن «عملية تشريح الجثث أصبحت بالنسبة لها عملاً روتينياً، مثل العمليات الجراحية بالنسبة لزملائها الأطباء، فعلم التشريح مادة أساسية في كلية الطب في السنوات الأولى ويتوجب على كل طالب تشريح جسم الإنسان ومعرفة تفاصيله».

وتكمل: «الأمر الوحيد الذي يشكل فرقاً بين الدراسة في الكلية والتشريح الفعلي في الطب الشرعي، هو أن الجثث الدراسية كانت تُحفظ في مادة (الفورمالين) التي تبقيها على حالتها، فلا تتعفن، وهو ما لا يحدث في الطب الشرعي، إذ يشاهد الجسد بصورته الحقيقية وبالتغييرات التي تطرأ عليه بعد الموت، ويبدو المنظر صعباً، لكن ليس كما يتصوره الناس، فتختلف نظرة الطبيب الشرعي للميت عن نظرة الإنسان العادي، فهي خالية من العاطفة والشفقة، وتكون بعين فاحصة لمعرفة سبب الوفاة».

أول مرة

عن شعورها عند تعاملها مع أول جثة، تقول مقهوي: «علم التشريح جزء من الدراسة الجامعية، خصوصاً العام الأخير منها، نتوجه لزيارة مختبرات الطب الشرعي، والتدريب لمدة أسبوع على أساسيات هذا المجال، وهنا كان أول اختبار لقدراتي على التشريح، ورأيت أول جثة في حياتي».

وتكمل: «في البداية انتباني الشعور بالخوف والرهبة، ولكن سرعان مازال هذا الشعور وتملكتني الرغبة في التعمق أكثر في هذا العالم، وتعاملت مع الجثة التي يتم تشريحها على أنها حالة على قيد الحياة».

وتذكر مقهوي أنه «رغم ما يمر عليها من حالات كثيرة يومياً، الإ أنها تعتبر حالات تشريح الأطفال من أصعبها، خصوصاً التي كان الاعتداء الجنسي والجسدي أوالغرق سبباً في وفاتها، وهناك حالات يتم تشريحها لا تمحى من الذاكرة». وتتابع أنه «في إحدى الحالات كان المتوفّى شاباً في العقد الثالث من عمره، وأشار التشخيص الأولي إلى أن حالة الوفاة طبيعية، ولكن حسّها قادها أن هناك شبهة جنائية، وتأكد شعورها عندما وجدت بعض الإصابات على الجثة، وعند التشريح اكتشفت وجود أضلع متكسرة، ما يؤكد أن هناك جريمة تسببت في وفاة الشاب».

مهام ووظائف

عن مهام عملها كطبيب شرعي، توضح مقهوي أن «عملها لا يقتصر على فحص الأموات، ولكن يشمل أيضاً الأحياء، كالإصابات أثناء العمل أو نتيجة العنف الأسري والاعتداءات الجنسية والاجهاض الجنائي، إضافة إلى حالات تقدير الأعمار». واستطردت أنها «تقوم بفحص حالات الوفيات بكل أشكالها كالفحص الظاهري في حالة الوفاة الطبيعية، والفحص التشريحي لحالات الوفاة المشكوك في وجود شبهة جنائية مسببة لها، من خلال أخذ العينات اللازمة وفحصها ليتم إصدار التقرير الطبي الشرعي النهائي بشأن القضايا الواردة، إضافة إلى الانتقال لمسرح الجريمة أحياناً خارج ساعات الدوام الرسمية». وتلفت مقهوي إلى أن «الطب الشرعي يهتم بتسخير الطب لخدمة القانون في سبيل تحقيق العدالة، لإثبات أو استبعاد الجرم عن طريق أدلّة الإثبات المادية المتعلّقة بجسم الإنسان وصحته، فالطبيب الشرعي هو الذي يحدد السبب المؤدي إلى الموت وكيفية حدوثه، وتفسير بعض الجرائم التي يمكن أن تبرئ مظلوماً أو تساعد في إدانة مذنب.

وتكمل: «نتولى نقل الموتى من مواقع الوفاة إلى إدارة الطب الشرعي ومنها إلى المقابر، وحفظ جثامين الموتى في ثلاجات الإدارة إلى حين إنهاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالدفن أو التسفير خارج الدولة».

مهارات ومقومات

عن المهارات التي يجب أن يمتلكها الطبيب الشرعي، توضح مقهوي أن «الطب الشرعي يرتبط بالقانون، لذلك من يعمل به يجب أن يمتلك الحسّ الأمني والشجاعة والبصيرة والرغبة الصادقة في العمل بهذا التخصص، اذ إنها وظيفة لا تصلح بأن تكون بالتكليف أو بالتعيين لمجرد ملء شاغر فارغ، فهو عمل يحتاج إلى حماسة ورغبة حقيقية لكي يستطيع صاحبه التميز والاستمرار». وتضيف أنها «سخرت كل طاقاتها وجهودها لتعزيز مهاراتها، من خلال الالتحاق بالدورات التدريبية، والدراسة المستمرة والإطلاع على تجارب التشريح العالمية، ومتابعة أحدث ما توصل إليه الطب الشرعي وعالم الجريمة من اكتشافات، بجانب متابعتها الدائمة للقضايا العربية والعالمية، والمشاركة في المؤتمرات».

وتحلم مقهوي بأن تشهد الفترة المقبلة، تأسيس مركز علمي للطب الشرعي، يتم من خلاله تدريب الطلاب والأطباء ومنحهم درجات الماجستير والدكتوراة في هذا المجال، خصوصاً أن هذا التخصص مازال غير متوافر في الدولة، ويتطلب الابتعاث لأبناء الإمارات لدراسته في الخارج.


صعوبات اللغة

من التحديات التي واجهتها مقهوي، خلال رحلتها في عالم الطب الشرعي ساعات العمل الطويلة، التي قد تمتد لوقت متأخر في الليل، إضافة إلى أن دراستها للطب، وكذلك تخصص الطب الشرعي، كانا باللغة الإنجليزية، وعندما بدأت مشوارها العملي كان عليها أن تتعامل باللغة العربية، وكتابة كل التقاريرالتي تحول للمحاكم والنيابة العامة والمراكز باللغة العربية.

وتكمل أن «رغبتها في الاستمرار وحبها لشغلها كانا حافزاً لتتعلم فنون تقسيم الوقت بين الوظيفة صباحاً ورعاية أسرتها مساءً، واستطاعت بمجهود ليس بسهل تنظيم وقتها، وقائمة أولوياتها في الحياة، والاستفادة من كل ثانية تمرّ عليها، ولم يتحقق ذلك لولا دعم زوجها لطبيعة عملها مقدراً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، محترماً لمهنتها التي تتعلق بحياة الناس وحقوقهم في الحياة وبعد الموت».

مشارط ومقصّات

عن الأدوات التي تستخدمها في عملها، قالت مقهوي: «إن هناك الأدوات التقليدية مثل المشرط والمقص وأدوات الطبيب الجراح كافة، ولكن في ظل التقدم التكنولوجي، هناك تقنيات عدة، منها «التشريح الافتراضي» virtopsyعن طريق «CT scan»، أو الأشعة المقطعية والتصوير بالرنين المغناطيسي، الذي يغني عن التشريح التقليدي، ويتيح للطبيب التشريح دون فتح الجثة افتراضياً، ونتطلع لتوفيرها لدينا في الإدارة قريباً، لما ستوفره من راحة نفسية في التعامل مع أهالي الضحايا وأقاربهم».

أصعب موقف

تقول طبيبة التشريح سارة مقهوي، عن أصعب موقف مرّ عليها خلال عملها: «قمت بتشريح جثة لشاب توفي في حادث مروري، وتبين لي في ما بعد أنه أحد أقارب صديقتي، وكنت أعرف أنهم يبحثون عنه بعد تغيبه عن منزله، فاضطررت إلى أن أبلغها بنفسي بخبر الوفاة».

«الطبيب الشرعي لا ينظر للجثث بعين الشفقة ولا تُحرّكه العاطفة».

«تقنيات التشريح الافتراضي تراعي مشاعر أهالي الضحايا».

طباعة