جوامع وزوايا وبيت حكمة في «رابعة الثلاث» المسجّلة على قائمة «اليونسكو»

القيروان.. مدينة تحفل بالأسرار العتيقة

صورة

تُخفي الدروب المؤدية إلى مدينة القيروان التونسية أسراراً وحكايات تروي تراث هذه المدينة الموغلة في القدم، وعراقة الأحداث التي صنعت تاريخ الفتوحات الإسلامية والنهضة الحضارية الناطقة بأصول هذه المنطقة، ووصول جيش عقبة بن نافع إلى ربوعها المتفتحة على بساط من الخضرة والأشجار المتنوعة.

تُعد المدينة تحفة تاريخية تماهى فيها سحر الحاضر بعبق الماضي الذي كرّسته أسواقها العتيقة وخلفيات أسوارها التي حملت إرثاً لا ينسى من المكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا والمدافن المتعددة لعدد من صحابة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فاستحقت لقب «رابعة الثلاث» التي حلت فيها القيروان بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس.

وتحفل المدينة بحكايات جامع عقبة بن نافع، ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي، وفسقيات الأغالبة، وبئر بروطة، وأسواق القيروان العامرة والشاهدة على تاريخ طويل من الحضارات والثقافات الإنسانية التي تعاقبت على مدار القرون الماضية.

عاصمة ونقطة ارتكاز

تُجمع المصادر التاريخية على المكانة التي حظيت بها القيروان منذ بداية إنشائها في عام 50 هجرية (670 ميلادية)، إذ أراد عقبة بن نافع أن يستقر بها المسلمون، لتصبح المدينة على مدار أربعة قرون متتالية عاصمة الإسلام الأولى في إفريقيا الأندلس، ومركزاً حربياً للجيوش الإسلامية، ومن ثم نقطة ارتكاز لانتشار اللغة العربية، في الوقت الذي اعتُبرت القيروان المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب العربي، فعمد مؤرخون إلى اعتماد تاريخ إنشائها بداية لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب.

ولعبت القيروان دوراً رئيساً في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح إلى آخر دولة الأمويين بدمشق. وعندما تأسست الخلافة العباسية ببغداد رأت فيها عاصمة العباسيين خير مساند لها، لما أصبح يهدد الدولة الناشئة من خطر الانقسام والتفكك وظهور دول عدة مناوئة للعاصمة العباسية في المغرب الإسلامي كدولة الأمويين بالأندلس، والدولة الرستمية في الجزائر، والدولة الإدريسية في المغرب الأقصى.

شواهد

يوحي الشكل الخارجي لجامع عقبة بن نافع بفكرة الحصن الكبير الذي يتميز بارتفاع جدرانه وسماكة دعاماته الواضحة للعيان، والتي تُخفي وراءها تاريخاً موغلاً في القدم، وهندسة بديعة يفصح عنها صحن المسجد ومختلف أروقته البسيطة. ويُعد جامع القيروان أحد أقدم مساجد المغرب الإسلامي والمصدر الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية، كما يضم أقدم «منبر أصلي» في العالم الإسلامي يعود إلى القرن الثالث للهجرة، إلى جانب مقصورة المسجد النفيسة التي تعود إلى القرن الخامس الهجري، وهي أيضاً أقدم مقصورة مازالت محتفظة بعناصرها الزخرفية الأصلية، كما يعتبر من أضخم المساجد في الغرب الإسلامي، إذ تبلغ مساحته الإجمالية نحو 9700 متر مربع، فيما تعد مئذنته من أقدم مآذن العالم الإسلامي وتتكون من ثلاث طبقات يصل ارتفاعها إلى 31.5 متراً.

«بئر بروطة»

كما لكل مدينة نبعها الشهير، فلهذه المدينة «بئر بروطة» الذي إذا شرب منه الزائر المحب لهذه المدينة يعود إليها ـ على ذمة القائمين على هذه البئر - والناعورة الصغيرة التي يديرها جمل معصوب العينين، ويمكن الوصول إليها عبر درج طويل يؤدي إلى فسحة يجتمع حولها السياح لارتشاف بعض من قطرات الماء العذب، كما هي فرصة لالتقاط الصور التذكارية والعودة إلى تاريخ بناء هذه البئر، وحكاياته غير الموثقة بتاريخ محدد أو واقعة معينة يمكن الاعتماد عليها، وإن كان البعض يشير إلى 1101 هجرية، تاريخ تشييد البناء، أما البئر فبناها هرثمة بن اعين، حين ولاه الرشيد ولاية إفريقيا.

المصحف الأزرق

يضم المتحف الوطني للفنون الإسلامية في منطقة رقادة قرب القيروان، مجموعة بارزة من المخطوطات والأوراق التي تعود في الأصل إلى مكتبة جامع عقبة بن نافع بالقيروان، مثل صفحات المصحف الأزرق الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر، كما تضم مدينة القيروان العشرات من المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا، وقد كانت مفتوحة في الماضي للدارسين، لما تحتويه من نفائس أمهات الكتب، مثل مكتبة «بيت الحكمة» التي أنشأها إبراهيم الثاني الأغلبي في منطقة رقادة بالقيروان محاكاة لـ«بيت الحكمة» التي أسّسها هارون الرشيد في بغـداد.

وكانت نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثرت في الحركة العلمية بالمغرب لزمن طويل، واستقدمت لها أعداداً كبيرة من علماء الفلك والطب والنبات والهندسة والرياضيات من المشرق والمغرب، فزودت بالآلات الفلكية لتصبح معهداً علمياً للدروس والبحوث العلمية والترجمة ومركزاً لنسخ المصنفات.

فسقية الأغالبة

رغم افتقار المدينة الجلي إلى اهتمام القائمين، إلا أن «فسقية الأغالبة» حافظت على أهميتها التاريخية كمعلم مائي وشاهد على براعة الأغالبة في فن العمارة وحسن استغلالهم للموارد المائية في منطقة كثيراً ما عُرفت بندرة أمطارها.

وتتكون الفسقية من بركة ماء صغيرة تصل إليها مياه الفيضانات والأمطار، متصلة مع البركة الكبرى التي تتولى توزيع المياه بطريقة هندسية مدروسة بلغ فيها عمق البرك 4.8 أمتار، فيما تجاوز قطرها 128 متراً.


أسواق

تتعدّد أسواق القيروان التاريخية، فتتنوع بين سوق الربع المخصص لبيع سجاد المدينة الشهير أو (الزربية)، وسوق «البلاغجية» المتخصص بصنع وبيع الأحذية والسروج، وسوق «الجرابة» الذي تنسج وتباع فيه الأقمشة والأغطية، ومختلف لوازم صناعة السجاد المختلفة.

ويعرض سوق العطارين وسوق النحاسين الأواني النحاسية التقليدية التي تشتهر بها المدينة العريقة، كما تتنوع الأطعمة والوجبات الشعبية التي تنفرد بها هذه المدينة، مثل صحن الكفتاجي الشهير الذي عرفت به المطاعم القيروانية، وحلوى المقروض أو حلوى الأغالبة المصنوعة من السميد والتمر، أو المنكهة ببعض أنواع الفواكه الجافة، مثل اللوز والسمسم، وغيرهما.

«سيدي الصحبي»

قد تصادف زائر زاوية «سيدي الصحبي» في القيروان، مراسم زواج تقليدي توزّع فيه الحلوى التونسية التقليدية في مقام الصحابي أبي زمعة البلوي، الذي شهد بيعة الرضوان في الحديبية، وفتح مصر مع عمرو بن العاص، ودخوله تونس فاتحاً في جيش معاوية بن حديج في عهد عثمان بن عفان، لينتهي شهيداً في «جلولة»، قرب القيروان، في معركة مع البيزنطيين عام 34 هجرية.

ويرجع تاريخ بناء المقام المخصص لـ«سيدي الصحبي» إلى عهد حمودة باشا المرادي في عام 1663، ويضم مدرسة ومخزناً ومصلى، إلى جانب الزاوية المركزية التي تضم غرفة الضريح، التي تطل بدورها على صحن فسيح تحيط به أروقة مسقوفة.

50

هجرية، السنة التي أُسّست فيها مدينة القيروان العريقة على يد عقبة بن نافع.