نجوم الغانم: نساء بيتي الأول مفاتيح نجاحي - الإمارات اليوم

ممتنّة للذين أسهموا في تأسيس شخصيتها الفنية والإبداعية

نجوم الغانم: نساء بيتي الأول مفاتيح نجاحي

نجوم الغانم: المجتمع الإماراتي مسكون بحب العائلة واحترام الناس أرشيفية

من شرفة الفتاة الصغيرة المطلة على خور دبي، وعلى أصوات السفن والمراكب القريبة التي تثير فضول الطفولة، فتحول الاكتشافات إلى صور تعج بالحياة، تضع الإماراتية نجوم الغانم يدها على مواطن الشغف الأولى، لتلامس بذكرياتها الضاربة في الماضي، ما تبقى من شوق وارف إلى أيام طفولتها البعيدة بذكرياتها المكتظة بالحركة ومناطق الضوء والعتمة التي اخترقتها، فحولت مسارات شخصيتها ومآلاتها الإنسانية إلى نجاحات ترجمتها الغانم، اليوم، عبر ما كرسته من إبداعات في مختلف المجالات الثقافية والفكرية.

ومع أن جميع من رافق طفولة نجوم الغانم لا يختلف على شقاوتها، وقدرتها على المشاكسة، إلا أنها لا تنسى أبداً ذكريات أهلها وتفاصيل البيت الأول الذي نشأت وترعرعت فيه، في أحضان بيئة مختلفة متميزة ومكتنزة بتفاصيل الخيال وتفاصيل تجسيداته الفكرية والإبداعية المتنوعة، يقودها في ذلك جدٌّ حنون وجدّة صارمة وخالتان تتقّدان بالحيوية وتتسمان بتقديرهما الكبير للكتب وعطشهما اللافت إلى كل منابع الفكر والمعرفة، ما أسهم في تغذية حب المعرفة والاطلاع لدى الطفلة الصغيرة التي نشأت في كنف الخيالات الروائية التي طرحتها مكتبة المنزل الكبيرة المطلة على دهشتها الأولى، الذي ترافق مع ألق الموسيقى وسحر الاستمتاع إلى الأسطوانات الموسيقية المتوافرة في كل أنحاء البيت تماماً مثل مسرح الألوان وورش الرسم التي رافقت طفولتها البريئة وحرضتها على اكتشاف عوالم الفن والجمال، مستعينة بمشهد سفن الخور القريبة ونوارسه المحلقة في سماءاته الرحبة.

مشوار صباحي

بين حنان الجد وحزم الجدة، تضحك نجوم الغانم وهي تروي لـ«الإمارات اليوم» علاقتها الوطيدة بجدها الذي لم يتدخل في أسلوب تربيتها، تاركاً المهمة لجدتها ووالدتها التي كانت تحتضن طفولتها في أوقات المرض، حين لم يكن يفصلها عن المنزل الكبير إلا بضع خطوات، فيما تستذكر الغانم تمسكها الدائم بعادة مرافقة الجد إلى «دكانه» حين كان منشغلاً بتجارة الأدوية الشعبية في منطقة خور دبي، قائلة: «لا أنسى الرحلة الصباحية على (العبرة) التي تمخر خباب الخور، في بعض الأيام التي يسمح لي فيها جدي بمرافقته مستسلماً لإصراري، الأمر الذي لايزال محفوراً في ذاكرتي التي تكدست فيها آلاف المشاهد والصور اليومية لحركة الحياة ومشاهد السفن وأصحابها آنذاك، ما شكل رافداً مهماً لمختلف الرؤى التي حاولت لاحقاً تجسيدها بمختلف الطرق».

علاقة نجوم الغانم بذكريات طفولتها تعدت حدود العلاقة العائلية والإنسانية، لتلامس تخوم الارتباط المعرفي والثقافي الوثيق الذي ارتبطت فيه مبكراً بسكانه، حيث تقول: «خصوصية تواجدي مع جدتي وخالاتي أضافت الكثير من الخصوصية لتجربتي الوجودية في هذا المنزل، وهذا ما سأتعرف إليه وأدرك ماهيته لاحقاً من خلال العلاقة التي ربطتني بمختلف ميادين الثقافة والفن، خصوصاً السينما»، وتضيف «عندما كنت صغيرة لم يكن يسمح لي دوماً بالخروج من المنزل، فكان عليّ البحث عن حلول تسلية بديلة داخل المنزل، وقد كنت محظوظة بخالتي المهتمة بفنون التصوير الفوتوغرافي التي كانت تزاولها إلى جانب الفن التشكيلي الذي جذبها بالتوازي مع فن التقاط حركة الحياة السائرة، ما غذّى إحساسي العالي بالفنون البصرية وفتح لي آفاقاً متجددة بفضل روافد الفن والمعرفة التي وفرتها مكتبة خالتي واسطواناتها الموسيقية».

بهجة المعرفة

في هذا المنزل تحديداً، لم يكن غريباً على الطفلة نجوم، اقتحام عوالم الخيال التي انحدرت إليها حين اختارت مبكراً الإبحار في عوالم القصص الذي تآلفت فيه مع شخصياتها، وتماهت مع خيالاتها التي سلمتها لاحقاً إلى عوالم التصوير الفوتوغرافي ودهشة الصورة الحية التي التقطتها كاميرات التصوير المنزلية، ومع أن هذا الأمر لم يكن بالأمر المألوف في فترة الستينات، إلا أن جدها حرص على تواجد مثل هذه الوسائل الترفيهية في البيت، وكان من أوائل من اقتنى جهاز التلفزيون لمتابعة مستجدات الأخبار والمسلسلات المحلية، وتتابع نجوم سرد حكايات طفولتها قائلة: «كان قرب منزل جدي من مكتبة دبي العامة، أمراً ممتعاً ساعد في تنمية اهتمامي بالكتب الأدبية والقراءة وحب الاكتشاف، وأتذكر أننا كنا نستمع في أوقات كثيرة إلى بعض المحاضرات والندوات التي كانت تقام في رحاب المكتبة، التي زاد تعلقي بها وبغواية الاطلاع على مكنوناتها»، وتضيف «بالإضافة إلى ذلك شكلت السينما رافداً مهماً للبهجة المقترنة بأجواء العيد، حيث كانت خالاتي وجاراتنا يحرصن على الذهاب إلى السينما، وكنت أستمتع بمرافقتهن تماماً كذهابي هذه الأيام إلى دار الأوبرا للاستمتاع بأمسية موسيقية عذبة».

لا تنسى نجوم ضمن حديثها عن الذكريات والشخوص الذين أسهموا في بناء شخصيتها، أن تتحدث عن والدتها المربية المجتهدة والبارعة في فن الخياطة والتطريز، الذي أتقنته إلى جانب شغفها الكبير بالكلمة والشعر، فتقول: «لقنتني أول مبادئه فور عودتي إلى منزل والدي بعد انتهاء المرحلة الإعدادية، متسلحة بقواعد وآداب البيت الأول والتزام خالتي وجدتي الأخلاقي الصارم بكل ما يتماشى مع عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي المحافظ المسكون بحب العائلة واحترام الناس».

شريط بارع

شريط الذكريات لا ينتهي والسرد لا يتوقف، فصاحبته تمتلك من مفاتيح السحر ما يكفي ليحيلنا إلى المتعة السينمائية الخالصة، بعد أن انحازت مواهبها المتعددة إلى شريط مصور من المحطات المفتوحة على الدهشة الأولى التي قلبت حياتها، «لنتفق أولاً أن ليس هناك انفصال بين مشواري الإنساني والإبداعي، فممارسة الفن كانت أمراً مستمراً طوال حياتي من دون أي انقطاع، فأنا اليوم أرسم، لكنني لم أطرح نفسي كفنانة تشكيلية، لأنني مهمومة بالشعر والسينما ولديّ مسؤوليات ومهام متعددة، ولكي أكون مخلصة لفن محدد أحتاج دوماً إلى الكثير من الجهد والالتزام في هذا المجال»، وتتابع «كانت أمنيتي بعد الثانوية أن أسافر لدراسة الفنون الجميلة لكن والدي لم يسمح لي بذلك، فانتظرت سنوات حتى حصلت على منحة دراسية من العمل، بعد أن بدأت تجربة الكتابة وأنا في الـ12 من عمري، وتجربة النشر في عمر الـ17 عاماً، فيما انشغلت عند نيل شهادة الثانوية بالعمل صباحاً والدراسة في الفترة المسائية»، وتختم الغانم حديثها قائلة: «مازلت أتذكر أهل بيت الطفولة الذين أسهموا في تأسيس شخصية نجوم الغانم الفنية والإبداعية التي يعرفها الناس اليوم، وهي مناسبة أيضاً لأتوجه بالتحية إلى خالاتي، وبالرحمة إلى روح جدي وجدتي».


شعر وسينما وفن

شاعرة ومخرجة سينمائية وفنانة حصلت على شهادة البكالوريوس في الإنتاج والإخراج التلفزيوني من جامعة أوهايو بأميركا، في عام 1996. وكذلك حصلت على شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي من جامعة غريفيث بأستراليا، في عام 1999.

بدأت الكتابة الشعرية في أواخر السبعينيات ولم تتجه للنشر إلا في مطلع الثمانينات. شاركت في العديد من الملتقيات والأمسيات والمهرجانات الثقافية والشعرية في العالم العربي وبعض الدول الأوروبية.

قبل ان تتجه في السنوات الأخيرة للإخراج وتلفت الانتباه بأعمال مهمة حازت جوائز عديدة، كان آخرها «آلات حادة» إنتاج 2017.

«بحثت في صغري عن تسلية داخل المنزل، فكنت محظوظة بخالتي المهتمة بالتصوير إلى جانب الفن التشكيلي».

«تسلحت بقواعد وآداب البيت الأول، والتزام خالتي وجدتي الأخلاقي الصارم بكل ما يتماشى مع عادات وتقاليد المجتمع».

طباعة