أهلها موزَّعون في المخيمات والشتات

«بيت جبرين».. حَكايا فلسطين التي لا تموت

صورة

حكايات التهجير واللجوء الفلسطينية جميعها متشابهة، تفاصيلها لا تختلف كثيراً، فالعدو واحد، والوطن المستهدف واحد، فيما تبقى هذه الأراضي محفورة في أذهان كل فلسطيني، بل يورثها لأبنائه وأحفاده حتى لا يضيع تاريخ فلسطين وتراثها من ذاكرة الأجيال المتعاقبة مهما طال الزمان أو قصر.

«بيت جبرين» هي إحدى القرى الفلسطينية المدمرة الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة الخليل، فقد احتلها الصهاينة كأغلبية الأراضي الفلسطينية في عام 1948، وتحديداً يوم 29 أكتوبر، حيث تعرض سكانها لتهجير قسري بعد قيام كتيبة جفعاتي الصهيونية بعملية عسكرية ضد سكان القرية بزعامة يوعاف، ليعيش جميع أهالي «بيت جبرين» في اللجوء سواء داخل فلسطين أو في الشتات، بعيداً عن مسقط رأسهم ومنازلهم وأراضيهم حتى يومنا هذا.

القرية احتلها الصهاينة عام 1948، ليعيش جميع أهالي «بيت جبرين» في الشتات حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من ترحيل سكانها، إلا أن بعض آثارها مازالت ماثلة للعيان، «الإمارات اليوم» تمكنت من دخولها، لرصد معالمها الباقية، فالمشهد في «بيت جبرين» للوهلة الأولى يجعلك تعيش شعورين متناقضين، الفرحة والحزن.

فكل شيء فيها هو جميل وساحر، حيث إن تضاريس «بيت جبرين» جمعت بين حياة الجبال والسهول، فالقرية تقع نصف أراضيها في الجبال، والنصف الآخر في السهول، بل إن أراضيها قسمت بين الزراعة ورعي الأغنام والماشية.

روعة الطبيعة التي تتميز بها قرية بيت جبرين لا تمنعك من مشاهدة معالم القرية وآثارها التي لايزال بعضها ماثلاً حتى يومنا هذا، ومن المعالم التي مازالت باقية، هي مسجد القرية ومقام يطلق عليه (مقام الشيخ التميمي)، وبضعة منازل هجرها أصحابها، منها ما بقي مهجوراً حتى الآن، ومنها ما احتله اليهود إما لغرض السكن، وإما تم تحويله إلى مطعم.

الزائر للقرية يلفت انتباهه أنها مقسومة إلى قسمين، الأول مغطى بالأعشاب الطويلة والشجيرات ونباتات الصبار، وأشجار الكينا، فيما القسم الثاني هو المملوء بالآثار والمواقع التاريخية ويجذب السائحين والزوار، وتجثم على أرض «بيت جبرين» مستوطنة صهيونية تحمل اسم (بيت غفرين)، كان الاحتلال أقامها عام 1949 ليكون بذلك قد احتل أرض القرية وهوَّد اسمها.

في مخيمات اللجوء

جولتنا في «بيت جبرين» مهما طالت فهي ستكون قصيرة مقابل روعة طبيعتها وجمال معالمها، ولكن كما يقول المثل «الجنة من غير الناس ما بتنداس»، فهذا الجمال الذي يشوهه الاحتلال، وهذه الأراضي الفسيحة التي يغتصبها الصهاينة لن يكتمل جمالها إلا بسكانها الأصليين الذين هجروا قسراً، وسكنوا قرى ومدناً داخل فلسطين وخارجها، حيث يقيم معظمهم في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية، ومنها مخيم الفوار في مدينة الخليل، فيما أقيم مخيم في مدينة بيت لحم حمل اسم القرية بيت جبرين، أو كما يطلق عليه البعض مخيم العزة، حيث إن ما يزيد على 60% من سكانه ينحدرون من عائلة العزة.

الحاج الثمانيني محمود الحموز، يعيش منذ أكثر من 65 عاماً تجربة قاسية مع التهجير القسري واللجوء في مخيم الفوار للاجئين بمدينة بيت لحم، حيث يقطن هو وعائلته في منزل أقامته له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بعد النكبة، فيما لايزال الأمل يسكن قبله بأن يأتي اليوم الذي سيعود فيه هو أو أحد من أبنائه وأحفاده إلى «بيت جبرين» ليمحو بذلك فكرة اللجوء التي قسمت ظهره وأبعدته عن مسقط رأسه. يقول الحاج الحموز لـ«الإمارات اليوم»، وقد خطت رحلة اللجوء وذكرياته المؤلمة تجاعيد وجهه، «(بيت جبرين) محفورة في ذاكرتي، ولن أنسى أزقتها وحاراتها وآبار المياه فيها، ولن أقبل بديلاً عن العودة إلى الحارة الشرقية، وإن لم أتمكن من نيل ذلك، فسوف يحصل عليه أبنائي وأحفادي».

ويضيف، «لن نقبل العيش من دون التمسك بحق العودة، سنعود إلى أوطاننا يوماً ما».

وكان الحاج الحموز قد تمكن من زيارة قريته بيت جبرين مرة واحدة منذ تهجيره عام 1948، وكان ذلك عام 1998 عندما جاء أحد أبنائه زائراً من الأردن، حيث أخذه إلى مسقط رأسه في القرية، وعن ذلك يقول: «كانت اللحظات الصعبة هي أننا قمنا بدفع رسوم تعادل أربعة دولارات مقابل الدخول إلى البلدة باعتبارها منطقة سياحية، ووجدنا القرية كما هي ولم يتغير عليها شيء، باستثناء المدرسة الوحيدة التي بنيناها بأيدينا وجدنا ملعبها قد حوّل إلى مسبح».

الحاجة أم سعدي العزة لاتزال تحتفظ في ذاكرتها بصورة التهجير الذي أبعدها عن قريتها الأصلية، وتقول الحاجة السبعينية والدموع لا تفارق وجهها، «كانت البلدة تتعرض للهجوم من قبل عصابات الهاغانا في الليل، وكان الشباب من سكان البلدة يستعدون لها ويتصدون لمحاولات الاقتحام بما لديهم من أسلحة بسيطة حصلوا عليها من الجيشين المصري والأردني، وكنا دائماً نتوجه بواسطة تراكتور زراعي إلى منطقة باب واد علي، حيث كنا نتوقع أن يبدأ الهجوم من هناك ويستمر التمركز هناك أشهراً عدة».

وتضيف «في آخر ليلة عشناها في القرية، بدأت العصابات الصهيونية بالهجوم بواسطة الطائرات، وألقوا علينا أكثر من 160 صاروخاً، وهذا دفع بالسكان بالرحيل، حيث إن معظمهم غادر (بيت جبرين)، ولم يبق فيها إلا كبار السن الذين كان مصيرهم القتل والذبح، وأنا أعرف خمسة على الأقل ممن ذبحوا وألقيت جثثهم في بئر للمياه، أما بالنسبة للعصابات الصهيونية فكان لديها طائرات ومدافع وأسلحة كثيرة وقنابل وصواريخ حصلوا عليها من البريطانيين، لكن نحن لم يكن لدينا سوى البارودة».

طباعة