تجمع بين التاريخ والحياة البرية

«صير بني ياس»: مغامرة مبهرة.. بين قطيع من النمور والزرافات والغزلان

صورة

ربما لا يدرك كثير من سكان الإمارات أن بإمكانهم القيام بمغامرة فريدة وسط الطبيعة، والاستمتاع بتجربة التجول بين حيوانات برية مثل الفهود والزرافات والغزلان، والغوص في أعماق البحر، وغير ذلك من الأنشطة المبهرة دون مغادرة الدولة، أو إنفاق مبالغ طائلة. فعلى بعد ثمانية كيلومترات من الساحل الغربي لأبوظبي، تقع جزيرة «صير بني ياس»، التي تعد من أهم الوجهات السياحية والثقافية والتراثية في دولة الإمارات، وتوفر لزوارها تجربة لا تنسى تجمع بين عراقة تاريخها، الذي يعود إلى العصر البرونزي، وبين حداثة منشآتها التي تتسم بالرفاهية والتميز.

تاريخ قديم

استوطن البشر جزيرة صير بني ياس على مرّ التاريخ، بدءاً من العصر البرونزي، وكانت آخرة المستوطنات قبل نحو 110 إلى 120 عاماً. وقد تمّ الكشف حتّى اليوم عن 42 موقعاً أثرياً على الجزيرة، يعود بعضها إلى عام 600 الميلادي. وتأمل جزيرة صير بني ياس أن تفتح بعض هذه المواقع أمام السيّاح قريباً.

استدامة

تحرص إدارة الجزيرة على الحفاظ على الحياة البرية ومبادئ الاستدامة، فالسرعة القصوى المسموح بها هناك هي 50 كيلومتراً في الساعة، من أجل حماية الحيوانات البرية عند اجتياز الطرقات، وصُمّمت البنى التحتية وفقاً لمبادئ توجيهية محدّدة، بشكل يخفّض الاحتياجات العادية للطاقة والمياه بنسبة 20%.

وتعد جزيرة صير بني ياس من أكبر الجزر الطبيعية في الإمارات، حيث تمتد على مساحة 87 كيلومتراً مربعاً، واكتسبت الجزيرة اسمها من قبيلة بني ياس، التي كانت أول من سكن أبوظبي منذ 250 عاماً. وفي عام 1971، أصبحت الجزيرة محمية للحياة البرية وفقاً لرؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي قامت على تحويل الجزيرة لإحدى أكبر محميات الحياة البرية في الجزيرة العربية، للحفاظ على الأصناف المهددة بالانقراض، وذلك ضمن برنامج «تشجير الصحراء» الذي أطلقه الشيخ زايد، وتم من خلاله زرع ملايين النباتات والأشجار على الجزيرة، وفي مقدمتها شجيرات القرم وأشجار القرم البحري المعروفة علمياً باسم «الأفيسينيا مارينا». وفي الوقت الحالي، تعد شركة التطوير والاستثمار السياحي هي المطور للجزيرة، ضمن «جزر الصحراء» التي تتألف من ثماني جزر، منها جزيرة دلما التاريخية، وجزر ديسكفري التي لم تمسها يد الإنسان بَعْدُ.

ورغم أن جزيرة صير بني ياس مفتوحة طوال الوقت أمام الزوار؛ إلا أن دخول الجزيرة يستلزم الحجز المسبق في واحد من منتجعات جزر الصحراء الثلاث الموجودة هناك وتديرها «أنانتارا»، وبمجرد أن يصل الزائر إلى مرسى القوارب الذي يقع في منطقة الرويس على مسافة 250 كيلومتراً بالسيارة من مدينة أبوظبي، يتم استقباله في استراحة أنيقة مزودة بكل وسائل الراحة والضيافة، إلى أن يأتي موعد القارب الذي ينقل الزوار إلى الجزيرة، وتستغرق رحلته فترة تراوح بين 15 و20 دقيقة. أما الإقامة على الجزيرة؛ فيجد الزائر أمامه ثلاثة خيارات مختلفة منها الإقامة في منتجع وسبا جزر الصحراء بإدارة «أنانتارا»، الذي يتسم بطرازه المستمد من البيئة المحلية، أو الاستمتاع بالبيئة البحرية في منتجع ڤيلات اليم الذي يضم 30 ڤيلا فاخرة، تطل إما على الشاطئ أو على البحيرة التي تحيط بها أشجار القرم، ويمكن لهواة الحياة البرية اختيار منتجع «أنانتارا ڤلات» السهل حيث يمكنهم متابعة الغزلان والطواويس تلهو على بعد خطوات منهم. وتتفرد جزيرة صير بني ياس كذلك بتنوع الأنشطة الترفيهية والرحلات الاستكشافية التي توفرها للزوار، من أهمها رحلات السفاري التي تستغرق ما يقرب من الساعتين، يصطحب فيها شخص متخصص الزوار في جولة على الجزيرة لمشاهدة مجموعة من الحيوانات البرية الطليقة دون أقفاص أو حواجز، ومعظمها مهدّد بالانقراض، حيث تؤوي الجزيرة أكثر من 30 صنفاً منها. وهناك أيضاً جولة الثقافة والتاريخ التي تعرف الزوار إلى الثقافة المحلية وتاريخ الجزيرة، حيث تشير التنقيبات إلى أن البشر استوطنوا الجزيرة على مر التاريخ، بدءاً من العصر البرونزي، وقد تم الكشف حتى اليوم عن 42 موقعاً أثرياً على الجزيرة، يعود بعضها إلى عام 600 الميلادي، من أقدمها آثار دير يعود إلى عهد ما قبل الإسلام، وتحديداً إلى القرن السابع، وكذلك مقابر بني ياس، والمناطق التي أقاموا فيها مع بداية وجودهم على الجزيرة، ونظام الأفلاج الذي استخدموه في ري زراعتهم.

وتتعدد الأنشطة والفعاليات على الجزيرة، إلا أن إدارة جزر الصحراء تحرص على الاستدامة والحفاظ على الحياة البرية فيها، لذلك جاء إنشاء منتزه الحياة البرية العربية، الذي يمثل خطوة مهمة وأساسية في إطار الجهود الهادفة إلى الحفاظ على البيئة والجزيرة، حيث خُصصت مساحة ممتدّة على مساحة 4100 هكتار (أي ما يقارب 50% من حجم الجزيرة)، لتكاثر الحيوانات الأصيلة في شبه الجزيرة العربية وإعادة تأهيلها، وتؤوي ما يزيد على 15 ألف حيوان، وجرى تطوير المنتزه على أربع مراحل، بدءاً من إعادة الحيوانات إلى البر الرئيسي، ثم الفصل بين الحياة البرية المحلية وتلك غير المحلية عند إنشاء المنتزه. وتتمثل المرحلة الثالثة في إطلاق الحيوانات المفترسة في البرية كالفهود والضباع، بينما تقوم المرحلة الرابعة على تحرير الحيوانات من منتزه الحياة البرية العربية إلى البر الرئيسي وإعادة إدخال أصناف جديدة من الحيوانات العربية إلى المنتزه، وخلال العام الماضي، تم إطلاق أكثر من 15 ألف حيوان من جزيرة صير بني ياس في محميّات الحياة البرية بصحراء ليوا، على البرّ الرئيسي لأبوظبي، ونفذ هذا البرنامج بالتنسيق مع هيئة البيئة – أبوظبي.

وتعد المها العربية المهددة بالانقراض أبرز صنف من الحيوانات في المنتزه، وتؤوي جزيرة صير بني ياس اليوم قطيعاً يشمل ما يزيد على 500 حيوان مها. كما تحتضن الجزيرة الكثير من الحيوانات التي صنّفها الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة ومواردها، بأنها مهدّدة بالانقراض أو بأنها حيوانات ضعيفة في البرية، منها السلحفاة البحرية، وغزال الريم، والظبي الأسود، والأرويّة، والضأن الجبلي، لذا تؤدّي الجزيرة دوراً حيوياً في حماية هذه الحيوانات. وإلى جانب الحيوانات تضم الجزيرة أنواعاً عدة من الطيور البرية المحلية في المنطقة كالنسور والطيور الجارحة والصقور، إلى جانب الأصناف غير المحلية العديدة، التي استوطنت خلال هجرتها واتخذت من الجزيرة موئلًا لها. وتضم الطيور على الجزيرة: النحام، والنوارس، والغاق، والدجاج البري، وبط البلبول البري، وبط الشولر، وأبوساقين أسود الجناح، وبط الحذف، وزقزاق السرطان، وطائر النكات والبلشون الرمادي.

طباعة