صفورية.. مدينة الفسيفساء والينابيع - الإمارات اليوم

احتلت مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي ودمرها الاحتلال الإسرائيلي عام 1948

صفورية.. مدينة الفسيفساء والينابيع

صورة

على تلة وينابيع غزيرة تتوسط منطقة سهلية بين الناصرة وحيفا، تزهر مدينة «صفورية» بجمالها وآثارها الباقية إلى يومنا هذا، على الرغم من توالي الأحداث على امتداد التاريخ، حتى دمرها الاحتلال عام 1948، وأقام على أنقاضها مستوطنة «تسيبوري»، التي أزالت كل معالم المدينة الفلسطينية، وسلبت اسمها الأصلي. وتروي معالم وآثار صفورية تاريخ البلاد على امتداد العصور المتعاقبة، فهي موقع أثري مميز وفريد من نوعه، كما تمتاز بكثرة مكتشفاتها الأثرية النادرة، فمنذ الحفرية الأولى التي تمت على أيدي بعثة أثرية أميركية عام 1931، تتواصل التنقيبات الأثرية في صفورية ومحيطها، حتى اكتشفت موجودات تعود إلى العصرين البرونزي والكنعاني. وتعد مدينة صفورية من أكبر مدن الجليل، وتبعد عن مدينة الناصرة ستة كيلومترات شمالاً، وقد أنشئت على تل يبلغ ارتفاعه نحو 110 أمتار، وتتميز أراضيها بالخصوبة، حيث اعتمد سكانها على الزراعة وتربية المواشي مصدراً رئيساً لزرقهم، وكان في القرية العديد من الآبار والينابيع، وأبرزها «القسطل» الموجود في مدخلها، والذي كان يروي البساتين المحيطة به.

معالم أثرية

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2016/08/529310.jpg

في سنة 1745م شيّد ظاهر العمر الزيداني، حاكم فلسطين الشمالية «قلعة ذروة التل»، وفي سنة 1880م بنيت «كنيسة القدِّيسة حنا» في القرية على أنقاض كنيسة قديمة تعود إلى أواخر القرن السادس للميلاد. ويعد مسجد صفورية من المعالم المقدسة فيها، فقد عثر على مكان المسجد من خلال أحد كبار السن، الذين عاشوا تلك الفترة، والذين مازالوا يتذكرون الأيام التي مرت بها القرية من مآسٍ وهدم وتهجير. وعلى مقربة من المدرج توجد آثار

كنيسة قديمة، وبقايا بيوت، وبرك للاستحمام، وقد اكتشفت إلى جوار الكنيسة قلعة إسلامية مكونة من طابقين، تقوم على أسس قلعة صليبية.

ويشير الباحث الأثري وليد الأطرش، الذي ينحدر أصله من صفورية، إلى أن مدينة ظاهر العمر فتحها المسلمون على يد شرحبيل بن حسنة عام 13 هجرية، لافتاً إلى أن صفورية احتلت مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي خلال عهد المماليك، حيث شهدت ازدهاراً كمركز استراتيجي على منتصف الطريق بين عكا وطبريا.

لوحات فسيفسائية

شهدت صفورية تعاقب الحقب الزمنية، وإقامة الحضارات المتعددة، فقد حكمها الرومان عام 63 قبل الميلاد. كما يؤكد الباحث الأثري والمسؤول العلمي عن التنقيبات الأثرية، محمد خلايلة، اكتشاف آثار عمرها 7000 سنة أخيراً، مشيراً إلى أنه تم العثور على ملامح مدينة عمرها 4000 سنة من بداية العهد الكنعاني، تمتد على مساحة 80 دونماً.

ويقول خلايلة «وجدنا تماثيل صغيرة وصحوناً، وأدوات، وأدوات زينة، وأدوات دينية خاصة بتقديم القرابين، وغيرها من الآثار التي تدلل على ازدهار الحياة في المكان».

ومن ضمن الاكتشافات التي نتجت عن أعمال التنقيب، العثور على أرضية بيت كبير يعرف بـ«البيت الروماني»، مرصوفة بالفسيفساء المزركش من الحقبة الرومانية، فيما تزدان برسومات في غاية الدقة والجمال.

وهدم المنزل عام 363 جراء هزة أرضية، ووجد بداخله أرضية من الفسيفساء، ورسومات نادرة لامرأة ابتسامتها غامضة، والتي لقبت وفقاً للباحثين والمؤرخين بـ«موناليزا الجليل»، على غرار الموناليزا الإيطالية.

تهويد الاسم

في جولة تاريخية في مدينة الآثار والجمال، رصدت «الإمارات اليوم» آثار صفورية، ومظاهر التهويد المقيتة لمعالمها، فعند وصولنا إلى البوابة الرئيسة لحديقة «تسيبوري»، وهو الاسم التهويدي للمدينة، دار حديث سريع يكشف جريمة الاحتلال في صفورية، فقد سألنا الحارس العربي ومعه مساعدين: أين تقع صفورية؟ الحارس: «تقصد تسيبوري!» قلنا: «لا بل صفورية، وليس تسيبوري»، الحارس: لا توجد صفورية اليوم، لكن تبقى منها بعض الآثار فقط، تفضلوا بالدخول. دخلنا وقد بدت على وجه الحراس دهشة كبيرة، بسبب أسئلتنا المختلفة عن التي اعتاد سماعها من الزائرين.

وتشهد معالم صفورية التاريخية على بشاعة التهويد الذي طال معالم المدينة واسمها، فقلعة ظاهر العمر التي مازالت ماثلة على قمة التل، تهاوت بعض حيطانها، وهي محاطة بمواقع عسكرية في الجانب الشمالي من القرية، كما أن كنيسة الروم الأرثوذكس يُحرم مسيحيو فلسطين من دخولها، على الرغم من بقائها حتى يومنا هذا.

وبالانتقال إلى الطريق الجنوبية المفضية إلى المدينة المهجرة، يستوقف أي زائر كنيس لليهود أنشأ حديثاً على أنقاض مقام إسلامي قديم، وبالقرب منه مقبرة صهيونية حديثة العهد، فيما أقام الاحتلال على أنقاض صفورية مستعمرات أخرى، مثل: سولاليم، وألون هجليل، وهوشعيا، وحنتون، إضافة إلى المنطقة الصناعية بمستوطنة تسيبوري.

نازحون داخل الوطن

ويقيم عدد كبير من السكان الأصليين لصفورية في القرى والمدن الفلسطينية القريبة منها، حيث هُجّروا منها قسراً عقب النكبة، وقرروا البقاء بالقرب منها، وعدم النزوح إلى مخيم اللجوء في الشتات، كما فعل المئات من سكان صفورية.

ومن بين هؤلاء السكان الأصليين التقت «الإمارات اليوم» الحاج أحمد ياسين، الذي يقطن حالياً في قرية «كفر كندا» بالجليل، إذ استقبلنا معتمراً حطته وعقاله، فيما يحمل بيده عكازه، الذي يخبئ به عنفوان شبابه، الذي لو توافرت له الإمكانات لما تجرأ ذلك الغريب على دخول بيته وإخراجه منه.

وأخذنا بكلماته العذبة، وأسلوبه الشيق، وجناحي ذكرياته، إلى مدينته الأصلية صفورية، لنراها عن قرب أكثر جمالاً وروعة كأمها فلسطين، حتى شعرنا بأن الزمان والمكان بدآ يضيقان علينا.

تحدث ياسين كثيراً عن مدينته، فلم يترك حجراً ولا زاوية إلا وصفها لنا، كفنان يرسم أجمل الصور، ولم يكتف بالكلام فقط، بل توجه نحو مكتبته وأخرج منها كتاباً اسمه «صفورية»، مستمداً منه روح الأمل للعودة إلى مدينته الأصلية، ليعود للحديث قائلاً: سأعمل جاهداً، رغم كبر سني، على تأريخ التراث الفلسطيني لكي تتناقله الأجيال.

وفي قربة الصفافرة بمدينة الناصرة يقيم أمين علي، الملقب بـ«أبوعرب»، وهو من السكان الأصليين لصفورية، فقد ولد فيها عام 1935، ليُهجّر قسراً منها في «عام النكبة» إلى لبنان، ولكنه عاد مجدداً إلى فلسطين نازحاً داخل وطنه، بعد مسيرة شاقة من الصيام الذي لا إفطار له حتى يومنا هذا.

وفي مدخل قرية صفورية المهجرة، وقف «أبوعرب» على حافة نبع القسطل يروي ذكرياته قبل النكبة. ويقول «أبوعرب» متحسراً إن «صفورية هوجمت في شهر رمضان، وكان الأهالي ينتظرون على موائد الإفطار صوت الأذان، ليفطروا بعد نهار متعب وصيام شاق، وفي اللحظة التي أذن فيها المؤذن بدأت الطائرات بقصف صفورية، ليهلع السكان تاركين الموائد ممتلئة كما هي».

ويضيف: «استمر القصف، وخرج الأهالي مذعورين إلى أطراف القرية، وفي الصباح كانت القرية محتلة، ولم يستطع أي أحد العودة إلى منزله، وبهذا واصلت العصابات الصهيونية احتلال قرى الجليل المجاورة، فنزحنا إلى بنت جبيل في لبنان، ومن ثم إلى بيروت والقرعون في البقاع اللبناني، وسرنا على مدار أيام كاملة دون طعام أو شراب أو غطاء، خرجنا بملابسنا، دون أن نأخذ بعض الأغراض الضرورية».

وبعد ثمانية أشهر من النزوح إلى لبنان عاد «أبوعرب» أدراجه، ليقيم ستة أشهر في مدينة الرينة بمدينة الناصرة الفلسطينية، وبعدها قطن هو وأهله في الصفافرة في بالمدينة ذاتها، والذي سمي بذلك نسبة إلى أهل صفورية النازحين.

ونزح أهالي صفورية بعد النكبة إلى مخيمات الشتات داخل وخارج فلسطين، فقد كان عددهم 7000 نسمة، أما الآن فيقدرون بنحو 100 ألف.

طباعة