أداء مال الله يفرض نفسه.. وعبدالله صالح ينحاز لحضور «الأغنية»

«الجلسة».. إبحار درامي باتجاه «الأصالة»

صورة

منذ اللحظة الأولى، يستطيع متابع مسرحية «الجلسة» أن يستنتج كونها من تأليف الفنان عبدالله صالح، ليست لجهة شاعريتها المفرطة فقط، أو لثيمة استدعاء الموروث، بل بصفة أكثر خصوصية، بشأن المستوى المباشر للقضية التي تطفو على سطح الأحداث، وهي الانتصار للفن الأصيل عموماً، وللجانب الطربي والموسيقي خصوصاً، وهو الجانب الذي يصرّ على استدعائه صالح على خشبة المسرح عبر نصوصه.

العمل الذي جاء في خاتمة عروض مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته التاسعة، مساء أول من أمس، من إنتاج مسرح دبي الشعبي، وإخراج غانم ناصر، اقتصر على ممثلين اثنين رئيسين فقط، أحدهما لم يكن فقط صاحب الدور المحوري، وهو الممثل الشاب أحمد مال الله، بل كان عبر أدائه الواعي، وخفة ظله الفطرية، بمثابة الورقة الرابحة للعمل، ووسيلته إلى بناء تواصل حقيقي مع الجمهور.

عبدالله صالح: يستحقون التحية

قال الفنان عبدالله صالح: «إن شباب مسرحية (الجلسة) يستحقون التحية لما قدموه، سواء من جهد في التمارين المسرحية، أو على خشبة المسرح، من خلال عمل يفخر بإنتاجه مسرح دبي الشعبي».

وقال صالح لـ«الإمارات اليوم»: «لم أتدخل في الرؤية الإخراجية لغانم ناصر، ويجب دوماً على الفنانين عموماً ألا يتدخلوا في رؤى الشباب، ويفسحوا لهم مجال الخيال والتجريب، وحتى الخطأ، من أجل إخراج أعمال تشبههم هم، ولا تشبه غيرهم». وأشار إلى أن «ناصر قام ببعض الحذف على النص، وانحاز إلى الثيمة التراثية، رغم أن النص كان يحتوي على ثيمات أخرى موازية». وقدم اعتذاراً لأحد الشباب الذين شاركوا في المسرحية بالإضاءة، وسقط اسمه سهواً من كتيب العرض، مؤكداً أن «دبي الشعبي يقدّر أصحاب كل جهد يبذل في أي عمل».


غانم ناصر: لست أنانياً

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/11/3935381.jpg

وصف المخرج غانم ناصر نفسه بأنه «ليس أنانياً»، في تعقيبه على عرض «الجلسة»، مضيفاً: «كمخرج أقوم بعملي، ولا أفرض وصاية على الممثلين، فمادمت اخترتهم لأداء أدوار بعينها، فهذا يعني مسبقاً ثقتي بأدائهم، ويجب أن أتوقع منهم الأفضل دوماً، لكنهم هم من يتحملون ويجنون أيضاً مستوى أدائهم، الذي كان مشرفاً بالفعل بالعمل».

ودونما انفعال، كان قد تكرر في تعقيبات نقدية على مسرحية أخرى، استقبل ناصر، ملاحظة أحد حضور الندوة بأنه لم يفهم لماذا كان الممثلان يقومان بعقد وحل قطع القماش المنسدلة من أعلى خشبة المسرح، مشيراً إلى أنه كان يقصد بأن الشخصية الرئيسة تعيش في حالة من التشويش.

الفنانة بدرية أحمد قالت كلمات مختصرة، في الندوة التطبيقية: «مسرح الشباب لايزال بخير، أضحكتمونا وأبكيتمونا في العمل».

وإذا كان عرض «اللعبة»، من إخراج أحمد الشامسي، الذي ينافس على جوائز المهرجان، قد تسيّده اللونان الأبيض والأسود، فإن «الجلسة» انتصرت للون واحد فقط، هو الأسود، فجميع خلفية الخشبة، والستائر المدلاة، وكأنها حبال تحكم مصائر الشخصية الرئيسة، وأيضاً الأرضية، جميعها جاءت متدثرة باللون الأسود، وكأن العمل سيأخذ بطله إلى مصير محتوم مسبقاً، لا يستطيع الفكاك منه.

«حميد» و«عبيد»

مطرب هو «حميد»، ويؤدي دوره أحمد مال الله يتهيأ لجلسة طربية، هو من سيحييها، ولا أحد معه سوى مساعده، أو منسق الفرقة «عبيد»، ويؤدي دوره الممثل سلطان بن دافون، وهو انتظار يطول، تتخلله نقاشات ثنائية عدة، بين «حميد» و«عبيد»، أكثرها مرارة اتهام الأخير للأول بأن صوته «نشاز»، فيضطره إلى استحضار نخبة من الأغاني الأصيلة، مبرراً أنه يريد جمهوراً ذواقاً، لم تتلوث أذنه بعد بالأغاني المستهلكة.

استعراض لقدرته على التقليد ومهاراته التمثيلية، قدمها مال الله، من خلال تقليده لأسلوب غناء ووقفة الراحلة أم كلثوم، وهو المشهد الذي بنى له مزيداً من التواصل مع الجمهور، في حين كانت الإحالة إلى سخرية الكوميديا، بمثابة وصفة سحرية أخرى، ظلت هي صبغة العرض البارزة حتى المشهد الأخير.

الإضاءة تفاوتت كثيراً في هذا العمل، واقتربت بشكل واضح أحياناً إلى إضاءة الأعمال المونودرامية، من خلال الهالات الإضائية، وسعى المخرج في بعض الأوقات إلى الاستعانة بالمجاميع من خلف الكواليس، اعتماداً على ظلالهم، من خلال إضاءة الكواليس ذاتها.

في المقابل، جاء الديكور بسيطاً، معتمداً على إفراد مساحة الخشبة كاملة لحركة الممثلين، لكن التعقيد جاء من خلال تقنية الستائر السوداء المدلاة، التي تشبه في توزيعها الأحبال المعلقة، وهي قطع من القماش سعى إلى توظيفها درامياً، من خلال احتماء الشخصيتين بها أحياناً، والاستسلام لقيودها أحياناً أخرى، عبر عقد وحل كان يقوم به أحد الممثلين على الخشبة. الإغراق في اللهجة الشعبية كان سمة أصيلة في «الجلسة»، وهو أمر حال أحياناً دون التواصل بين الجمهور والمتلقى، على الرغم من أن هذا العرض ربما يسجل الحضور الأبرز للجمهور على مدار عروض المهرجان، وهو أمر يحسب بكل تأكيد لمسرح دبي الشعبي من جهة، والمشاركين في العمل من جهة أخرى، الذين تمكنوا من إقناع الجمهور بوعدهم بعرض يستحق المشاهدة، على الرغم من أنه بطبيعة الحال هو العرض الأول للعمل، ويتوقف نسبة الحضور فيه على مدى توقع الجمهور من أسرته.

ختام.. صادم

المشهد الأخير جاء صادماً، وأضاف كثيراً لمجمل المسرحية، ورسم كامل خيوطها، فلأول مرة نرى رداء أبيض في العمل المتشح تماماً بالسواد، لكن هذا الرداء لم يكن سوى الرداء الطبي للطبيب المعالج لـ«حميد»، إذ نفاجأ بأن «الجلسة» المنتظرة ليست جلسة طربية، بل جلسة كهربائية للعلاج، وأن «عبيد» لا وجود له الآن سوى في خيال «عبيد»، لأن الأول رحل منذ سنوات.

وعبر تقنية الـ«فلاش باك» أو «الاسترجاع الزمني»، يتكشف المزيد من الخيوط بأن «حميد» أسير مقاومة رغبته الشخصية، لرغبة أبيه النوخذة، الذي رفض فكرة امتهانه الغناء، وحطم كل علاقة يمكن أن تربط «حميد» بالعود الذي كان يتسرب من منزله، في صباه كي يسبح في فضاءاته، وما بين رغبة الأب والابن من جهة، وثنائية البحث عن جمهور يهوى ويقدر الطرب الأصيل، في مقابل الأغاني المبتذلة، تدلف مسرحية الجلسة إلى صراع الأصالة والمعاصر، ولكن بصبغة كوميدية ساخرة هذه المرة، بطلها الرئيس، فنان استطاع أن يكون مقنعاً في الحالتين: الأداء التراجيدي والأداء الكوميدي الساخر، هو أحمد مال الله، بأداء انسحب أيضاً على الرجل الثاني في العمل سلطان بن دافون، ولو بنسبة مختلفة.

تويتر