رحلة طويلة مع «الأدب الرفيع»

اختيارات «السيدة» فاتن

انتقت سيدة الشاشة العربية أعمالاً نوعية، حكّمت ذائقتها الراقية في الاختيار، ونجحت في إحياء روايات وقصص كان جمهورها يقتصر فقط على محبي الأدب، وقرّاء محسوبين على مجال بعينه.

مع الأدب الرفيع والروايات والقصص، تماسّت مسيرة الراحلة فاتن حمامة الفنية الطويلة، إذ لم تتكئ سيدة الشاشة العربية فقط على موهبتها المتفرّدة، ولا على وجهها الملائكي الحنون، الذي حفرت ملامحه في قلوب الملايين من محبيها على امتداد الخارطة العربية، بل وصلت إلى مقامها الفني الرفيع، بفضل اختياراتها الذكية لأعمال راقية، أبدعتها أقلام مميزة، وكانت بمثابة علامات أدبية، تحوّلت بعد ذلك إلى روائع سينمائية، وصارت محطات فارقة في تاريخ الفن السابع، ولعل من أبرزها «دعاء الكروان»، و«الحرام»، و«الباب المفتوح»، و«ليلة القبض على فاطمة»، وغيرها.

اعترفت السيدة فاتن حمامة، التي غابت يوم السبت الماضي، في أكثر من مناسبة بأن فيلم «دعاء الكروان» من أحب الأعمال إلى قلبها، وهو مأخوذ عن رواية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، إضافة إلى فيلم «الحرام»، الذي أبدع قصته الدكتور يوسف إدريس، وكلا الفيلمين حازا إشادات كبيرة، ووصلا إلى مهرجانات عالمية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجي الضغط علي هذا الرابط.

قصة العمل، ومراميه، كانت تجتذب النجمة الراحلة، تعتبر ذلك بداية نجاح العمل، لذلك سعت «أم طارق ونادية» إلى انتقاء أعمال نوعية، حكّمت ذائقتها الراقية في الاختيار، ونجحت في إحياء روايات وقصص كان جمهورها يقتصر فقط على محبي الأدب، وقرّاء محسوبين على مجال بعينه، لكن أداء فاتن حمامة أخرج تلك الروايات من دائرتها الضيقة إلى فضاء أرحب، وأكسبها جمهوراً جديداً.

ومن بين الكتّاب الذين استفادت فاتن حمامة من قصصهم، الكاتب الراحل إحسان عبدالقدوس، إذ جمعها به أكثر من عمل، لعل من بينها «لا تطفئ الشمس»، و«لا أنام»، و«الخيط الرفيع».

فيما كان للكاتب يوسف السباعي، أكثر من موعد مع فاتن حمامة، تخطت مرحلة الروايات، لتصل إلى سيناريو بعض الأعمال التي أمد بها السباعي أفلام سيدة الشاشة العربية. ومن أبرز قصص السباعي التي قدمتها للسينما فاتن حمامة «بين الأطلال»، و«الليلة الأخيرة»، وكتب لها أيضاً أفلام «أخلاق للبيع»، و«آثار في الرمال»، و«شيء في حياتي».

الراحل توفيق الحكيم، واحد من الكتّاب الذين استفادت من أدبهم فاتن حمامة، إذ كان فيلم من أول الأفلام التي شاركت فيها، وهو «رصاصة في القلب» الذي كان بطله موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، عن قصة للحكيم. وأيضاً قدمت فاتن حمامة «أغنية الموت» المأخوذة أيضاً عن مسرحية لتوفيق الحكيم.

كذلك، كان للروائيات المصريات نصيب من موهبة فاتن حمام التي أدت بطولة فيلم «الباب المفتوح»، وهو في الأصل رواية تحكي ملامح من السيرة الذاتية للراحلة الدكتورة لطيفة الزيات، وأيضاً «ليلة القبض على فاطمة» رواية الكاتبة سكينة فؤاد، التي تحوّلت إلى مسلسل أيضاً حاز شهرة كبيرة حينما عرض بعد الفيلم بسنوات طويلة.

قائمة أعمال «سيدة الشاشة العربية» لم تخلُ كذلك من الروايات العالمية، ففيلم «نهر الحب» الذي شارك في بطولته عمر الشريف، مأخوذ عن رواية «آنا كارنينا» لليو تولستوي، وفيلم «اليتميتين» مقتبس من رواية بيير كورسيل «الولدان الشريران».

وفي أعمالها التلفزيونية الدرامية، وهي قليلة، انتقت فاتن حمامة كتاباً من «الوزن الثقيل»، يأتي على رأسهم «نجيب محفوظ الدراما المصرية» الراحل أسامة أنور عكاشة، السيناريست والروائي الذي كتب لها مسلسلاً يعد من أجمل ما قدمته، وهو «ضمير أبله حكمت»، الذي جمع فاتن حمامة بالفنان أحمد مظهر، شريكها في «دعاء الكروان». كتب البعض عن أن فاتن حمامة لم يكن لها نصيب من التعامل مع نجيب محفوظ، إلا أن المدقق في قائمة أعمالها، يجد أن فيلم «لك يوم يا ظالم» شارك في كتابة قصته «أديب نوبل» الراحل نجيب محفوظ، وربما قصد من نفوا ذلك التعاون بين «الكبيرين»، أن فاتن حمامة لم تعمد إلى رواية شهيرة لنجيب محفوظ، خصوصاً أن الفيلم الذي جمعهما يعود إلى الخمسينات، في فترة ربما لم يكن محفوظ فيها مشهوراً. تعلّقت ابنة معلم الرياضيات، التي ولدت في عام 1931 بالتمثيل مبكراً، استهوتها الشاشة الكبيرة، حتى من قبل مشاركتها في فيلم «يوم سعيد»، كانت وهي في الرابعة من العمر تغلق باب حجرتها، وتقلّد ما تراه، كانت تستمع إلى التصفيق لممثلة في دور ما، بأنه لها، وأنها ينتظرها مستقبل شبيه بذلك، حتى في مرحلة لم تكن أسر كثيرة تسمح لفتياتها بالدخول إلى مجال التمثيل، وبالفعل حازت فاتن حمامة كثيراً من التصفيق والإعجاب، وحفرت اسمها في وعي وقلوب كثيرين في مصر والعالم العربي.

طباعة