مبدع التفاصيل الصغيرة

أصلان وذكرى الغياب

صورة

لم يدخل المبدع الراحل إبراهيم أصلان إلى قلوب قرائه بالمطولات الروائية، أو بالقصص الطنانة بالقضايا الكبرى، بل تسلل إليهم المبدع، الذي مرت أمس الذكرى الثانية لغيابه، من نافذة سحرية، عبر تفاصيل صغيرة عابرة، وعلاقات إنسانية تعكس هموم البشر وأحلامهم البسيطة في الحياة.

انطلق إبراهيم أصلان من قلب الحارة المصرية، وأوجاع ناسها في إمبابة والوراق والأحياء ذات الفسيفساء البشرية، بالقرب من نهر النيل الذي شهد على سنوات الصبا والكتاب الأول وكذلك العشق الأول، وربما فكرة أولى قصص أصلان أيضاً.

بقي صاحب «وردية ليل» و«بحيرة المساء» و«غرفتان وصالة» مخلصاً للذين يعيشون على الهامش، حتى بعد أن انتقل إلى حيز سكني آخر، وهو هضبة المقطم: «أُنزع الآن عن إمبابة كما تنزع قطعة لحاء جافة، وإن كانت حية، عن جذعها الطري كيما تلتصق بجذع آخر».

تعلق أصلان، الذي ولد في عام 1935 ولم ينل من التعليم إلا الشهادة الابتدائية القديمة، مبكراً بالكتاب، وفتن بـ«ألف ليلة وليلة» وعوالمها، سمع مقولة لصاحب «العبقريات»، عباس محمود العقاد، إن من لم يقرأ مقامات الحريري «فليس بمتأدب»، فظل يبحث عن ذلك الكتاب حتى عثر عليه في مكتبة قديمة بحي الحسين في القاهرة، وعاش لفترة يطالع المقامات حتى حفظ مقاطع طويلة منها، ولكن أصلان كما ذكر في كتابه «خلوة الغلبان» لم يصل إلى المرتبة التي ذكرها العقاد الذي رآه أصلان مرة واحدة في حياته، ومنعه الحياء من أن يسلم على تلك القامة الأدبية التي كان والد أصلان يصف صاحبها دائماً بأنه «جبار».

في كتاب «خلوة الغلبان» تحضر أسماء أخرى كان لإبراهيم أصلان حكايات ومواقف معها، ومن أبرز أصحابها نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى الطاهر عبدالله ويحيى حقي وعبدالوهاب البياتي، وآخرون ينتمون إلى جيل الستينات، الذي ينتمي إليه أصلان، ومن بينهم جمال الغيطاني ومحمد البساطي ومحمد حافظ رجب. تفيض كلمات أصلان بالحب والوفاء، والحزن الحقيقي، وهو يكتب كلمة وداع عن الدكتور يوسف إدريس: «ها هي الثمار الغالية تخبو، تتساقط، قسمات جميلة تغيب عن وجه الوطن، كان يوسف إدريس بينها هو طابع الحسن المميز على خد هذا الوجه النحيل العليل الباقي».

أما نجيب محفوظ فكان له محل خاص في قلب إبراهيم أصلان، إذ حضر مبدع «الثلاثية» في كثير من مقالات أصلان، التي جمع بعضها في كتابَي «خلوة الغلبان» و«شيء من هذا القبيل»، إذ يستثمر أصلان فرصة عيد ميلاد «العم نجيب»، كما كان يسميه، ويكتب: «أنت هنا يا عم نجيب فالدنيا إذن مازالت بخير وطيبة»، ويسديه تهنئات من نوع خاص: «الناس هنا في حارة محمد عباس، حيث أعيش، فرحون بميلادك التسعين، خاصة الست أم عبده التي أطمئنها عليكم دائماً، وهي تسألني بين عقد وآخر: (هو أنت يا خويا بتشوف سي نجيب؟). وأنا أخبرها: (يوماتي على الله)، و(النبي تبقى تسلم لنا عليه)، (من عينيه)، (تسلم عينيك)». ربما يلخص هذا المشهد الكثير من ملامح تميز أصلان، وأسلوبه المغاير الذي كان يحيل العادي إلى غير عادي، ويجعل الكتابة التي كانت من الممكن أن تكون مناسباتية وتقليدية إلى أدب حي، وسرد فياض بالمشاعر الإنسانية الجميلة المنطلقة من ألسنة عفوية.

لم يختر أصلان أن يكتب الرواية، بل تورط في ذلك مصادفة، بعدما زكّاه نجيب محفوظ لمنحة تفرغ من وزارة الثقافة، إذ لاحظ «أديب نوبل» أن أصلان يتغيب أحياناً عن ندوته الأسبوعية في مقهى ريش بالقاهرة، بسبب ظروف عمله الخاضع لنظام الورديات، فكتب محفوظ رسالة يزكي فيها أصلان للحصول على المنحة، وكذلك صنعت الكاتبة والناقدة الراحلة لطيفة الزيات والشاعر الراحل صلاح عبدالصبور. ونُشر الخبر باعتبار إبراهيم أصلان قد حصل على التفرغ لكتابة رواية، فاضطر صاحب «بحيرة المساء» الذي خصص قلمه في تلك الفترة لفن القصة القصيرة، لأن يكتب رواية «مالك الحزين»، التي تحولت إلى فيلم «الكيت كات» أحد أهم الأفلام في السينما المصرية. غاب أصلان في السابع من يناير 2012، بعد أن أثرى المكتبة العربية بروايات وقصص متميزة بوأته مكانة خاصة بين المبدعين وأصحاب الأقلام المتفردة.

طباعة