تزامن عرضها مع عيد الأضحى

الأغنيات الدينية الجديدة هل تردّ الإساءة

الأغنيات والأعمال لا تخاطب غير مجتمعاتها العربية والإسلامية فقط. غيتي

بعد أن هدأت موجة الاحتجاجات وطوفان الغضب، وتوقفت مقالات التنديد والشجب والإدانة التي طغت على صفحات الصحف في العالمين العربي والاسلامي، جاء الدور على الفن والفنانين للتعبير عن رفضهم للفيلم المسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فبدأت تتوالى على القنوات الفضائية أغنيات دينية قدمها مطربون وفنانون من مختلف الدول العربية دفاعاً عن دين الاسلام والرسول الكريم، ووجد كثير منهم ان طرح أغنياتهم بالتزامن مع عيد الاضحى فرصة جيدة، مثل الفنان المصري تامر حسني الذي طرح الايام الماضية أغنية بعنوان «حبيبي يا رسول الله»، وسبقه الفنان سامي يوسف فطرح كليب «تبعوه لما عرفوه»، الذي صوّره بطريقة الرسوم المتحركة. ولم يتنازل الفنان شعبان عبدالرحيم عن عادته في مواكبة كل ما يحدث على الساحة من أحداث، والتعبير عن رأيه فيها بالغناء، فقام بتسجيل أغنية بعنوان «الإساءة للرسول قلة أدب قلة أصول»، واجتمع عدد من الفنانين والرياضيين التونسيين لتقديم مشروع واحد للرد على الفيلم المسيء لإنتاج عمل فني جماعي أطلقوا عليه اسم «أوبريت رسول الله»، إضافة إلى أغنيات راب اطلقها شباب من مختلف الدول العربية، وأفلام فيديو وأخرى وثائقية تم الإعلان عن تقديمها من قبل جهات وشركات، بعضها مغمور والبعض الآخر معروف، ولكن تظل هذه الأعمال شبيهة بما سبقها من أعمال وردود أفعال، ليست سوى أصوات ضائعة متفرقة هنا وهناك، لا فائدة منها أو عائد من ورائها، ومبادرات فردية تنتهي سريعاً، تفتقر إلى الاستمرارية، وفي كثير من الاحيان تفشل في تحقيق الهدف منها لاسباب مختلفة، بعضها يرتبط بتواضع مستوى هذه الأعمال من الناحية الفنية، وافتقادها الصدق، لتنفيذها على عجل لمواكبة ما يحدث، والاستفادة من المناسبة في الظهور على الشاشات و«ركوب الموجة».

سبب آخر من أسباب عدم تحقيق فائدة تذكر من هذه الأغنيات والاعمال هو أنها لا تخاطب غير مجتمعاتها العربية والاسلامية فقط، وبالتالي فهي فاقدة التوجيه السليم، فما فائدة عرض أغنيات ترد على فيلم يسيء للاسلام ورسوله على قنوات عربية، تخاطب مجتمعات مسلمة، ليس لها علاقة بالفيلم وصانعيه، وكان من الأولى تقديم أغنيات واعمال فنية تتوجه إلى المجتمعات الغربية لتفنيد الاساءة والرد عليها، وفي الوقت نفسه استغلال الفرصة لتوضيح حقائق عن الدين الاسلامي وجوهره مازالت غائبة عن المجتمعات غير الاسلامية، بدلاً من العمل باسلوب عشوائي يفتقر إلى ابسط قواعد التخطيط أو الاتقان، مثل تحديد الجمهور الذي تتوجه إليه الرسالة الفنية أو الاعلامية، إلى جانب السطحية والاستسهال في التناول وفي مضمون الأعمال، بل إن بعض هذه الاعمال جاء متناقضاً مع الهدف منها، مثل أغنية شعبان عبدالرحيم التي تقول كلماتها: «الإساءة للرسول قلة أدب قلة أصول، خير خلق الله محمد والتاريخ يشهد يقول، اعملوا أفلام مسيئة اعملوا رسومات بذيئة، الرسول أشرف وأعظم وإنتو عارفين الحقيقة»، فهل من المنطقي أن يكون الرد على الاساءة والدفاع عن الرسول باستخدام إساءة مماثلة واتهام الآخر بـ«قلة الأدب»؟ بينما لم تخرج الأغنيات الأخرى عن الاطار التقليدي للاغنيات الدينية التي تظهر ونختفي سريعاً من دون أن تترك بصمة في نفس المستمع أو تبقى في ذاكرته، حتى الفنان سامي يوسف، الذي نجح من قبل في تقديم أغنيات شكلت نقلة في الاغنيات الدينية، وان تمس قلوب المستمعين بجودة انتاجها وتميز مستواها الفني، جاءت أغنيته «اتس اجيم» أو «إنها لعبة»، لتبدو بعيدة عن الهدف، وهو الرد على الفيلم المسيء او الدفاع عن الرسول الكريم «ص»، فرغم اعتمادها على التصوير بالرسوم المتحركة، وهو ما يجعلها قريبة من نفوس الكبار والصغار على السواء، وسهولة لحنها وتوزيعها، إلا انها لم تتطرق في كلماتها او مضمونها إلى توضيح صفات النبي محمد أو افعاله او أقواله التي تعكس خلقه الكريم، وهو ما قد يرجع الى ان الاغنية لم تُعد خصيصاً للرد على الفيلم، ولكن كان يوسف يعمل عليها منذ سنوات، نظراً لاعتمادها على الرسوم المتحركة، وعندما حدثت مشكلة الفيلم المسيء قرر طرحها، وهو في الأغنية يدعو المسلمين إلى عدم الاكتراث لما يقال عن النبي، معتبراً الفيلم استمراراً لمحاولات استفزاز مشاعر المسلمين في العالم، معتبراً الحل الأمثل لمواجهة مثل هذه المحاولات الخبيثة لإشعال غضب المسلمين، وتسجيل مواقف ضدهم، هو عدم الالتفات وصمّ الآذان عنها وتجاهلها.

مشكلة الفيلم المسيء، لم تكن الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، ورغم ذلك مازال العالمان العربي والاسلامي، بكل ما يمتلكانه من امكانات مادية وبشرية، عاجزيْن عن التفكير في وسائل ايجابية للرد على مثل هذه المشكلات، عبر جهات متخصصة في الفكر والثقافة والفنون تعمل وفق خطط واضحة لتحقيق أهداف محددة، من بينها توضيح حقيقة الدين الاسلامي وتسامحه، وتقديم صورة واقعية عن الدول العربية والاسلامية، بما فيها من تطوير وتنمية وحياة اجتماعية ترسم ملامح كل مجتمع على حدة، للرد على الصورة النمطية للدول العربية جميعاً، التي تظهر في كثير من الأفلام الغربية، والتي تختصرها في رمال وصحراء ومجموعة من الإبل. وفي الوقت نفسه وضع خطط لتوعية المسلمين انفسهم بأن اظهار سماحة دينهم، وردّ الاساءة عن رسول الاسلام، الذي وصفه الله تعالى بانه «على خلق كريم»، لا يمكن ان تتم عن طريق القتل والحرق والتدمير.

تويتر