«الفنان» حصد جوائز وفرض كلمة القـديم على سينما القرن الـ 21

عودة «الأبيض والأسود».. حنين لجذور الفن السـابع

الفيلم الفرنسي الصامت «الفنان» استعان بكلاسيكية الأبيض والأسود. أرشيفية

يثبت نجاح مجموعة من الأفلام الحديثة بالأبيض والأسود، أنه رغم الثورة التكنولوجية التي تبهرنا بها سينما اليوم، الا أنها لم تتمكن من أن تنسلخ من جلد الأبيض والأسود الذي تحن إليه كلما جذبها شوق العودة للأصل وجذور الفن السابع، التي تبدو راسخة مهما ضرب الزمن من مواعيد مع الحداثة التي اصبحت السمة الرئيسة لحياتنا عبر الشاشات أو بعيداً عنها، وفي محاولة للجمع بين الكلاسيكية والتكنولوجيا يستعد المخرج تيم بورتون لعرض فيلم الرسوم المتحركة «فرانكينويني» بالأبيض والأسود مع تقنية الثري دي.

ورغم أن الكثيرين قد يعتقدون أن أيام سينما الأبيض والأسود قد ولت، لم يستطع الفن السابع الحديث أن ينسلخ يوماً من الصبغة الكلاسيكية للأبيض والأسود، بل جعلها بمثابة رهان على النجاح، وإن صنف البعض هذا النجاح بالمستحيل في عصر التكنولوجيا وأفلام البعد الثالث، لكن كل هذه الاعتقادات الخاطئة تحطمت على صخرة الفيلم الفرنسي الصامت «ذي أرتيست» أو (الفنان)، صائد الجوائز، كما يسعى المخرج تيم بورتون لفرض كلمة الأبيض والأسود على تقنية «الثري دي» في فيلمه «فرانكينويني» الذي سيعرض العام الجاري.

«ذهب مع الريح».. ملوّن

كان فيلم «ذهب مع الريح» من بطولة كلارك جيبل وفيفان لي الذي أنتج عام ،1939 ويعد أحد كلاسيكيات السينما الأميركية، أول من صبغ مشاهده بالألوان، وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققه العمل، المأخوذ عن رواية الأميركية مارغريت ميتشل الشهيرة التي تحمل نفس العنوان نفسه، وتتويجه بثماني جوائز أوسكار، فكل هذا لم يسطر كلمة النهاية لسينما الأبيض والأسود، حيث استمرت هوليوود في انتاج هذه النوعية من الأفلام لأسباب تعود في معظمها إلى الميزانية المرتفعة في تلك الأوقات.

كما أن ثورة السرد التي أحدثتها الألوان في «ذهب مع الريح»، مثل الاتجاه إلى استخدام الأبيض والأسود في بعض المشاهد للعودة بالزمن إلى الوراء (فلاش باك)، لم تثنِ صناع السينما عن المواصلة في انتاج أفلام الأبيض والأسود إيماناً منهم بالطابع الكلاسيكي لهذه الأفلام، إلى أن جاءت اللحظة التي أصبحت فيها الأفلام بالألوان هي السمة المعتادة لأي فيلم يتم إنتاجه.

رونق وحنين

ظل رونق الأبيض والأسود يداعب مخيلة صناع السينما تارة نوعاً من التغيير الجذاب، وتارة حنيناً إلى زمن الفن الجميل، وتارة أخرى للعودة الى الجذور.

وانتجت العديد من الأفلام الحديثة بالأبيض والأسود، كان أولها الفيلم الكوميدي «فرانكشتين الصغير» عام 1974 من إخراج ميل بروكس، وهو محاكاة ساخرة لفيلم الرعب الشهير «فرانكشتين» إنتاج عام ،1931 وحقق الفيلم نجاحاً شجع صناع السينما على العودة للوراء، واستخدام الأبيض والأسود في أفلامهم وإن اقتصرت في بعضها على مشاهد «الفلاش باك».

واستهل المخرج الأميركي وودي آلن مشوار إحياء الأبيض والأسود بين عمالقة الإخراج في هوليوود عبر فيلمه «مانهاتن» عام ،1979 ليضفي مزيداً من السوداوية على الفيلم الذي شارك آلن في كتابته وتمثيل دور البطولة فيه بجوار ممثلة الأوسكار ديان كيتون.

كما لجأ المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي الى الأبيض والأسود في فيلمه الشهير «الثور الهائج»، من انتاج 1980 وبطولة النجم روبرت دي نيرو.

والفيلم مبني على سيرة الملاكم المعروف جيك لاموتا «الثور الهائج: حكايتي». ونال دي نيرو عن تجسيده لدور لاموتا أوسكار أفضل ممثل رئيس.

وسار المخرج فرانسيس فورد كوبولا على الدرب نفسه في فيلم «رامبل فيش» عام ،1983 من بطولة مات يلون وميكي روريك.

القديم يحصد «الأوسكار»

شهدت فترة التسعينات من القرن الماضي بعض الأفلام التي قدمت بالأبيض والأسود، لكنها لم تكن استكمالاً فقط لـ«صيحة» العودة إلى الكلاسيكية في ذلك الوقت، وإنما قدمت قدراً كبيراً من الحرفية جعلها تفرض نفسها على الأوسكار. وكان فيلم «قائمة شندلر»، للمخرج العبقري ستيفن سبيلبرغ عام ،1993 أول من دق باب الأوسكار عبر شريط الأبيض والأسود في عصر السينما الحديثة.

والفيلم مأخوذ عن كتاب يحمل الاسم نفسه لتوماس كينلي، ويدور حول قصة شندلر، الذي لعب دوره الممثل الأيرلندي المخضرم ليام نيسون، وهو ألماني مسيحي ينقذ 1100 يهودي بولندي من القتل في محرقة (الهولوكوست) على يد النازيين إبان الحرب العالمية الثانية. وحاز الفيلم سبع جوائز أوسكار من أصل 12 ترشيحاً.

أما فيلم «التاريخ الأميركي إكس» ،1998 من إخراج توني كاي وبطولة إدوارد نورتون وإدوارد فورلونغ، فيعد أحد أنجح الأفلام التي وظفت الأبيض الأسود في مشاهد «الفلاش باك» بداخلها. وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً، كما ترشح إدوارد نورتون عن دوره لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل في دور رئيس، لكنه لم ينلها.

ومثلما حصد الفيلم هذا القدر من النجاح فإنه حقق أيضاً ما يعادله من ضجة، حيث إنه تناول موضوع العنصرية ضد السود في الوقت الحالي.

فشل ورضا

كان للأميركي تيم بورتون، مخرج أفلام «باتمان» (الرجل الوطواط)، تجربة مع كلاسيكية الأبيض والأسود عندما قدم فيلمه (إد وود) ،1994 هو فيلم مبني على قصة حياة مخرج أفلام الرعب الرخيصة الراحل إد وود، وهو بمثابة إعادة لاكتشاف هذا المخرج، والفيلم من بطولة جوني ديب، وسارة جيسيكا باركر.

ورغم فشل الفيلم مادياً في صالات العرض، فهو لاقى استقبالاً جيداً لدى النقاد.

ويبرز من بين أفلام الأبيض والأسود الأكثر حداثة التي حققت نجاحاً كبيراً لدى النقاد، رغم فشلها في شباك التذاكر، «الألماني الطيب» للنجم جورج كلوني والأسترالية الجميلة كيت بلانشيت، ومن إخراج ستيفن سوديربرج عام .2006

ويتناول الفيلم قصة صحافي أميركي أرسلته صحيفته لتغطية وقائع اجتماع قمة قوات الحلفاء في بوتسدام بألمانيا، والذي عقد لبحث سبل السيطرة على ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي تلك الأثناء يبحث سراً عن الفتاة التي وقع في حبها وفقدها هناك، وعند العثور على جثة جندي أميركي قتل في المنطقة الروسية يجد نفسه متورطاً في جريمة قتل غامضة.

وراعى القائمون على الفيلم العودة من خلاله إلى كلاسيكية الأربعينات في كل شيء، وهو ما ظهر جليا في ملصق الفيلم الذي كان يشبه ملصق الفيلم الشهير «كازابلانكا» من إخراج مايكل كورتيز عام ،1942 إلا أن ذلك لم يشفع له لتحقيق مكاسب في شباك التذاكر، وإن كان نال إعجاب النقاد.

مغامرة

يعد فيلم «الفنان» من إخراج الفرنسي ميشيل آزانافيشوس، وبطولة مواطنه جان دوجاردان، مغامرة سينمائية كبرى من جوانب عدة، إذ صور الفيلم على غرار الأفلام الصامتة الأبيض والأسود القديمة، وحصد خمس جوائز للأوسكار، أهمها أفضل فيلم.

وفاز ميشيل آزانافيشوس (44 عاماً) بجائزة الأوسكار لأفضل مخرج، ليصبح أول مخرج فرنسي يفوز بالجائزة، علاوة على أنه كان أول ترشيح له. كما أصبح جان دوجاردان (39 عاما) بفوزه بجائزة أفضل ممثل، في أول ترشيح له لهذه الجائزة أيضاً، أول ممثل فرنسي يفوز بالأوسكار.

وتدور أحداث «الفنان»، الذي تم تصويره في أماكن عدة، من بينها لوس أنجلوس، حول قصة حب بين نجم آفل من فترة الأفلام الصامتة، يدعى جورج فالنتين، وممثلة شابة تدعى بيبي ميللر تشق طريقها بفضل موهبتها نحو القمة، بعد وصول الصوت إلى السينما.

وحصد «الفنان» ثلاث جوائز غولدن غلوب لأفضل فيلم كوميدي أو موسيقي، وأفضل ممثل وأفضل موسيقى تصويرية أصلية، بجانب جائزة أفضل ممثل من نقابة الممثلين الأميركية، فضلاً عن سبع جوائز «بافتا» البريطانية، من بينها أفضل فيلم وأفضل ممثل وأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي.

ويثبت نجاح «الفنان»، وغيره من الأفلام الحديثة بالأبيض والأسود، أنه رغم التطور التكنولوجي مازالت الكلاسيكية تحافظ على مكانتها، بل يمكنها أن تواكب هذا التقدم، وهو ما يؤكده فيلم الرسوم المتحركة «فرانكينويني» الذي يعد معالجة جديدة لفيلم قصير يحمل الاسم نفسه، وقدمه مخرجه ذاته تيم بورتون عام .1984 ويجمع بورتون في الفيلم بين الكلاسيكية والتكنولوجيا، عبر تقديم العمل بالأبيض والأسود، مع تقنية الأبعاد الثلاثية.

طباعة