االصحافة التراثية.. «واقع ثري ومنجَز متواضع»
دعت الإعلامية الإماراتية إحسان الميسري إلى ضرورة الاهتمام بمضمون التراث غير المادي، وإخراجه من عباءة المظهر إلى مضمون الجوهر، محذرة من تحول التراث في كثير من الممارسات إلى «ديكور» شكلي لإثبات الصفة الخليجية، خصوصاً حينما يتصدى للكتابة عن ذلك التراث غير المتخصصين، لافتة إلى أن غياب التنسيق بين المؤسسات العاملة في مجال التراث الشعبي، وغياب الرؤية العلمية في التعامل مع التراث بعيداً عن الحماس المفرط والوصاية، تشكل ابرز الإشكاليات والمعوقات التي تحتاج إلى المزيد من الاهتمام.
وأضافت إحسان الميسري في ورقة بحثية بعنوان «مجلات التراث الشعبي: واقع ثري ومنجز متواضع»، قدمتها خلال ندوة وسائل الاتصال الجماهيري والثقافة الشعبية بوزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر، أن «الإعلام لم يقصّر في الفترة الماضية في إبراز التراث مادياً ومعنوياً، لكنه كشف المتعجل وليس المتخصص، فمعظم الكتابات التراثية إعلامياً يمكن أن نصفها بأنها إثبات حالة، بمعنى المرور السريع لتقرير واقع، وليست كتابة متعمقة، لأن الكتابة المتعمقة تحتاج إلى متخصص يهوى التراث أولاً حتى يصبر على سبر أغواره».
واعتبرت الإعلامية في وكالة أنباء الإمارات (وام)، ان مجلات التراث الشعبي، وبعض الصحف في الإمارات التي يزيد عددها على 10 مجلات، ما بين الشهرية والفصلية ونصف السنوية، قد لعبت دورا مهماً في إثراء الساحة التراثية الشعبية في الدولة. وقدمت بعض المجلات - رغم إمكاناتها المحدودة - إسهامات مشهودة في الترويج للتراث الشعبي وتوثيقه، خصوصا في مجال الأدب الشعبي والدراسات الميدانية في الفنون الشعبية والتاريخ الشفاهي، إضافة إلى موضوعات أخرى متنوعة لجذب القراء.
وأوضحت «أرى أن الصحافي الذي يقوم بتغطية النشاطات التراثية بشكل عام يجب أن يكون صحافياً متخصصاً، وليس محرراً خبرياً يركض ليطارد الخبر ويسابق السبق الصحافي والمطبعة. وأستطيع أن أقول دون أن أظلم أحداً أنه لا يوجد في معظم دول الخليج صحافيون متخصصون في التراث، لاسيما من أبناء المنطقة، وهذا أحد العيوب التي يجب على القائمين على الأمر علاجها، وإيجاد الحلول لها». ودعت إلى ضرورة التفرقة بين الصحافي الموكل إليه متابعة وتغطية الفعاليات الثقافية والتراثية في إطار عمل صحافي يومي من جهة، وبين الباحث المتخصص الذي يتولى تتبع وتوثيق التراث من خلال أبحاث تتسم بالعمق والرصانة، «وعلى المطبوعات المتخصصة أن تزاوج بين النوعين من العمل. وهي مزاوجة مفقودة إلى حد كبير، فبينما تغرق بعض المطبوعات في المواد البحثية التي تعرض بأسلوب خالٍ من عناصر الجذب لغير المتخصص والباحث، نجد البعض الآخر يغلب الحوارات والمتابعات الخفيفة التي ينطبق عليها وصف (المنوعات) أكثر».
دون المستوى
خلصت إحسان الميسري إلى ضعف مستوى المجلات التراثية المتخصصة التي يعاني بعضها مشكلات جوهرية عدة، مستندة في ذلك إلى آراء باحثين في مجالي التراث والاعلام حصلت عليها الباحثة في مقابلات خاصة، من بينها رأي مدير التراث والشؤون الثقافية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وعضو لجنة جرد التراث غير المادي بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، د. عبدالعزيز المسلم، الذي يرى ان «هذه المجلات كانت، ومازالت، دون المستوى المطلوب من الناحية العلمية، رغم أنها مجلات ذات مستوى تقني وفني عال، إلا أنها أشبه ما تكون بمجلات منوعات لا أكثر، لذا نجد الباحث والمختص الإماراتي يتجه إلى المجلات التخصصية العربية والأجنبية للتزود بالمعرفة التخصصية وبالمعلومة الموثوقة».
أما الشاعر والباحث التراثي الراحل أحمد راشد ثاني، والذي استطلعت الباحثة رأيه خلال الإعداد للورقة البحثية قبيل وفاته، فربط بين ضعف المنجز الاعلامي في مجال التراث وضعف المنجز في المجتمع بشكل عام، متسائلاً: «ماذا تفعل الوسيلة الإعلامية إذا كان المنجز في المجتمع على صعيد هذا الحقل الفكري قليلا ونادرا؟ أقصد هنا المنجز الفعلي، وإذا كانت الكوادر المعنية بهذا القطاع على تنوعه قليلة للغاية، إذ لم تعمل المؤسسات على تأهيل كادر شاب قادر على اختراق الوسيلة الإعلامية لتقديم المادة الشعبية الشفاهية بشكل حديث أو متطور. وأتحدث هنا بالذات عن الفنون الأدائية مثلا». وأضاف الراحل «للأسف لم تنتج الصحافة في الإمارات مجلة مختصة بالثقافة الشعبية كما هي حال مجلة (المأثورات الشعبية) التي كانت تصدر عن مركز التراث في الدوحة، أو مجلة (الثقافة الشعبية) الصادرة في البحرين، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى غياب مركز بحثي علمي وميداني مختص بالثقافة الشعبية في الإمارات. واغلب المجلات التي صدرت وحملت اسماً تراثيا، إما دعائية أو منوعة أو سطحية، وفي أفضل حالتها كما هو حال مجلة الظفرة - مثلاً - فإنها تمرجحت بين نشر قليل من الدراسات المنهجية أو الميدانية في الثقافة الشعبية وبين المادة المتعلقة بالتاريخ الشفاهي، خصوصاً تلك التي تدور حول العائلة الحاكمة أو الرياضات المشهورة كصيد الصقور مثلاً».
عقبة التمويل
من جهة التمويل؛ أفادت إحسان الميسري بأنه و«بينما تتمتع بعض المطبوعات بالجدية أو حتى التي تحسب مجازاً على التراث بإمكانات ودعم مادي سخي، نجد مطبوعات أخرى أكثر رصانة، مثل مجلة (نخيل) تعاني صعوبات مالية. فالمجلة التي تصدر من جمعية النخيل للفن والتراث الشعبي في رأس الخيمة، وبدعم من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهي مجلة نصف سنوية مُحكمة متخصصة بالتراث الشعبي والثقافة المحلية والعربية، تعاني صعوبات مالية تتمثل في المقام الأول في قلة الدعم وتناقصه في أحيان كثيرة».
وخلصت الباحثة إلى ان للصحف والمجلات التراثية، لا شك، الدور الكبير في توثيق المنجز الشعري والتراث الشعبي، وتفعيل هذا الدور هو أمر متعلق بجهود المؤسسات والجهات الحكومية المعنية أولا، من خلال الاتجاه إلى تشجيع أعمال التوثيق وتأهيل الباحثين والمتخصصين من أبناء الدولة والعرب المقيمين، بحكم أنهم الأقرب إلى هذا الموروث الشعبي العربي الجذور. كما يجب أن يتم التركيز على جودة ونوعية المجلات والإصدارات الحكومية على الأقل، ليتم تعيين الكفاءات المشرفة عليها من أصحاب الاختصاص والدراية العلمية والمعرفية، مشددة على ضرورة طرح قضية التمويل الحكومي والتعامل مع حساسية أوضاع الباحثين في هذا التراث، والعمل على الارتقاء بمستواهم، وتقديرهم حق قدرهم، بحيث يتساوون مع أي خبير آخر من أصحاب الاختصاصات.