مسرحية تضم مشاهد مستوحاة من «الربــــــيع العربي»

«رحلة المعرفة» تحترم عقل الطفل

صورة

توقع مهتمون ومشاهدون لعروض مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، في دورته السابعة أن تنافس مسرحية «رحلة المعرفة»، على جوائز المهرجان، وأن يكون لها النصيب الأكبر منها، واصفين العمل الذي قدمته فرقة مسرح دبا الفجيرة، أول من أمس، على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة، بـ«المتميز الذي يحترم عقلية الطفل ويرتقى بها في الوقت ذاته».

تدور أحداث «رحلة المعرفة» حول مجموعة من الحيوانات في غابة، تصارع من أجل البقاء، على الرغم من سطوة حيوانات مفترسة، وفي مقدمتها ملك الغابة الأسد الذي قام بدوره الفنان عبدالله مسعود، أما شخصية العمل الرئيسة فكانت الأرنب الذي أدى دوره الفنان عبدالله راشد، الذي كان يعاني التهميش والإهانة من قبل الآخرين، وتحديداً الأسد الذي كان يقلل من قدرات الأرنب، ويستهين به كونه يتلعثم أثناء الحديث، كما وصفه بأنه جبان ومتردد وغير قادر على المواجهة.

أجواء

حنان «مايسترو»

ضمت مسرحية رحلة المعرفة مشاهد وفقرات غنائية ولوحات موسيقية راقصة، أسهمت بدورها في الارتقاء بمستوى المسرحية، وبرز في تلك اللوحات الممثلة حنان البلوشي، التي كانت بمثابة مايسترو وقائد للفرقة من ناحية تنفيذ الرقصات وإدارتها للمجموعة التي تعلقت بحنان. وعلى الرغم من براعة حنان في تأدية الحركات والاستعراضات إلا أنها لا تنتمي إلى أي من فرق الفنون الشعبية. وبرز الطفل محمد عبدالله راشد بين أفراد الفرقة التي قدمت المسرحية، لجرأته وقدرته على التحاور، واتقانه الأدوار التي لعبها طوال مشاهد المسرحية، بل على الرغم من وجود خلل في أجهزة الصوت كان الطفل يؤدي دوره بصوت جهوري واضح ميزه عن بقية زملائه، إضافة إلى أنه أضفى جواً طفولياً جميلاً على خشبة المسرح جذب إليه الكثير من الأطفال، وأثار من خلال أدائه اعجاب النقاد ولجنة التحكيم.

بسبب الضغط النفسي الذي عايشه الأرنب قرر في المشهد الأول من المسرحية مغادرة الغابة في محاولة منه أن يتخلى عن الصفات التي طالما لحقت به وأراد أن تكون الرحلة للتغيير في الشكل والمضمون، وأولى خطوات التغيير بأن يعلم سكان الغابة، وتحديداً الأسد ملكها، بأنه قرر اجراء رحلة إلى المجهول من أجل المعرفة والتعلم واكتساب الخبرة والقوة في الحياة، ليتمكن من الدفاع عن نفسه ومحاكاة الحيوانات المفترسة، وعلى الرغم من معارضة الأسد الديكتاتور للرحلة إلا ان الأرنب أصر عليها بتشجيع وموافقة معظم حيوانات الغابة، حتى رضخ الأسد لاعتقاده أن الأرنب سيفشل في رحلته، وسيعود كما كان وأسوأ.

تتتابع المشاهد التي لم تخلُ من أجواء البهجة والتفاؤل والموسيقى واللوحات الراقصة، انطلق الأرنب في رحلته وطاف بالمجموعات الحيوانية التي تعلم منها الكثير منها أن الابتعاد ومحاولة تفادي وتجنب الشرور تعد دليلاً على حكمة صاحبها، ومن مملكة النمل تعلم الأرنب دروس العمل والمثابرة والتعاون من اجل توفير لقمة العيش لآخرين، ومحاولة حمايتهم لتستمر دورة الحياة، أما الحمام فتعلم منه أن القوة في الإيمان والحكم العدل والمساواة بين الحمام واحترام الآخرين وعدم التعدي عليه وسلب ما يملك، أما الفراشات فأعطت الأرنب نصيحة بأن الجمال هو جمال العقل والروح أما الجمال الخارجي فيزول مع الزمن، وأن الألفة تزيل الوحدة.

ربيع

مع تأخر رجوع الأرنب إلى الغابة، أيقن الأسد أنه لن يعود نهائياً، وأنه ربما هلك أثناء رحلته للمعرفة، فصار «ملك الغابة» يملي شروطه على الحيوانات الأخرى، واستعبدها وصار يمارس ديكتاتوريته عليها، في مشاهد إسقاطية على الطغاة الذين تفننوا في تعذيب شعوبهم، واستنزفوا قدراتهم ونهبوا خيراتهم.

إلا أن نضوج وعي حيوانات الغابة، وعودة الأرنب محملاً بسلاح أقوى من سلاح البطش والقوة والتجبر، سلاح المعرفة والثقافة والعدل والحكم بالعقل، غيرا الغابة، إذ خيرت الحيوانات «الملك» بين التعاون معها والانضمام للمجموعة أو الابتعاد والخروج من الغابة، إلا ان الأسد كان حكيماً أكثر من ديكتاتوريي العالم العربي الذين حصدهم «الربيع العربي»، وانتصر شباب التغيير عليهم.

وفي المشهد الختامي، حل السلام والوئام الغابة، وعاش الأرنب الذي رفض أن يحكم الغابة واكتفى بالتعاون معها بما فيها الأسد، للتعايش مع بعضها والحفاظ على غابتها، وتظهر في المسرحية بشكل عام وتحديداً في المشاهد التي يظهر فيها الأسد تجليات «الربيع العربي» بصورة واضحة، إذ تمكن المؤلف والمخرج من تقديم مسرحية تشكل إضافة إلى مسرح الطفل.

حمار أم أرنب

في النص المكتوب الذي اطلع عليه بعض النقاد والمهتمين بالمسرح، كان الحمار هو بطل المسرحية، وليس الأرنب، وفق الدكتور الرشيد عيسى، الذي أجزم بأنه لو لم يستبدل بالحمار الأرنب لكان العرض أقوى وأفضل، على الرغم من نجاح المسرحية التي اعتبرها نقلة نوعية، وتجربة متقدمة للكتابة لمسرح الطفل، لافتاً إلى أن «النص قبل تقديمه للعرض كان مكتوباً عرضاً سينمائياً إلا ان المخرج سمير الخوالدة تمكن من توظيفه ليلائم مسرح الطفل».

وعلق الخوالدة على فكرة استبدال الحمار بالأرنب قائلاً إن «الاستبدال جاء احتراماً لأذن المشاهد وتحديداً الطفل، فوقع كلمة حمار على مسامعه تثير الضحك فكان من الأولى استبداله لضمان نجاح العرض والارتقاء بعقلية الطفل، من خلال إجادة اختيار فكرة العمل والممثلين والرقصات والموسيقى واستغلال المسرح وتعبئة المساحات والاهتمام بالعنصر الجمالي من ناحية التصاميم والأداء للممثلين في العمل».

من الملاحظات التي أثيرت على المسرحية في ندوة تحليلية أعقبت العرض، كثرة المشاهد الغنائية التي طغت على الأداء اللفظي، وجعلت المسرحية تميل إلى الأوبريت الغنائي، الذي يحمل فكرة محددة ورسائل تم ايصالها للمشاهد بوساطة الموسيقى والغناء، كما أن العرض كان قريباً لعالم الطفل ومسرحه، إذ حضر فيه الكثير من الألوان والاضاءات، إضافة إلى عنصر الطفولة على الرغم من بساطة الحكاية إلا أن العمل ناجح بكل المقاييس، كما أخذ على مخرج العمل انه اشتغل بشكل الأداء وتحقيق الجماليات البصرية، لاسيما أن المنطوق الصوتي خان المخرج في كثير من الأحيان.

طباعة