منتجون ومخرجون يتعمدونها.. وممثلون يستثمرونها لـــــتسويق المسلسل

«الإثارة».. ملـح الدرامـا في رمضان

التضاؤل الكمي لدراما رمضان لم يحجب بعضها عن إثارة حفيظة المشاهد في عام «ربيع الثورات». أرشيفية

قال نقاد وإعلاميون إن «الإثارة التي تحضر في كثير من المسلسلات ويتم تجهيزها خصيصاً للعرض الرمضاني هي ملح الدراما الهزيلة، ومحاولة للقفز على ضعف النص أو السيناريو أو حتى مشكلات إخراجية وإنتاجية، لا سيما وأن كثيراً من الأعمال تم تأخيرها بسبب الأحداث السياسية التي مرت بالمنطقة، ولم يجد الكتاب أو المخرجون مساحة زمنية جيدة للإبداع الحقيقي»، مشيرين إلى أن منتجين وممثلين ومخرجين يتعمدونها لتسويق أعمالهم، فيما رأى ضالعون في عملية الإنتاج الدرامي «أنها تهم إعلامية بالأساس تهدف إلى إثارة المشاهد».

ورغم الاتفاق في الوسط الإنتاجي أو الفني وكذلك النقدي على طبيعة المادة التي يمكن أن تثير تحفظ قطاعات واسعة من الجمهور، ومن ثم تشكل مادة مرشحة للتناول النقدي والإعلامي، سواء تعلق الأمر بمحظورات أو قضايا دينية أو سياسية أو اجتماعية وغيرها، إلا أن المتابع يرصد أنه لا يكاد يمر شهر رمضان على الشاشات العربية دون أن تشهد اعمالا عدة من هذا النوع، وحتى في هذا العام الذي يأتي متواضعاً حسب شهادات نقدية متعددة على مستوى الكم والكيف مقارنة بالسنوات القليلة السابقة، بسبب ملابسات ثورات ما اصطلح على تسميتها «الربيع العربي».

دراما رمضان هذا العام أيضاً لم تأت استثناء من قاعدة بروز أعمال تلقى رفضاً كبيراً من أوساط عدة، وعلى رأسها مسلسل «الحسن والحسين ومعاوية» الذي جاء ليجني مبدئياً بعض ثمار نجاح المسلسل الإيراني المدبلج «يوسف الصديق»، ويستثمر حالة الجدل التي توقعها منتجوه ومخرجه وكاتبه وحتى المشتركون في تمثيله، وحرص كل منهم في البداية حتى قبل بث المسلسل أن يروج لنصيبه من هذا الجدل الذي سيترجم في النهاية إلى مزيد من المتابعة الإعلامية والنقدية له، ومن ثم الجماهيرية، حيث ستدر الأخيرة أرباحاً خيالية بعد رفع قيمة الإعلانات التجارية التي تبث أثناء المسلسل، نتيجة زيادة الطلب الإعلاني أثناء بثه لدى القنوات التي وجدت فيه وسيلة مهمة لئلا تُقصى عن دائرة الاهتمام والترويج المجانية لأعمالها بواسطة أقلام.

مخططات مفضوحة

وصف نقاد وصحافيون تعمد القائمين على أعمال بعينها إثارة الجدل بـ«المخططات المفضوحة» التي تستبق الشهر الفضيل تحديداً وتسايره، من أجل التأثير في قرارات المعلن الذي يتحرك باتجاه الأعمال الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام، باعتبارها مرشحة دائماً لأن تكون الأكثر مشاهدة. وقال الناقد الفني طارق الشناوي، إن «معظم الأعمال المثيرة للجدل تم صنعها في الأساس لتكون كذلك لأغراض تتعلق بتسويق المسلسل»، فيما أكد مدير مكتب لها في الإمارت سامح عبدالحميد أن «العروض غير المباشرة عبر تسريب أنباء حول مسلسلات رمضان قبل قدوم الشهر الفضيل تم تجاوزها لحد تجرؤ مخرجين ومنتجين وممثلين للطلب بشكل مباشر من بعض الصحافيين باختلاق موضوعات مثيرة حول أعمالهم». الراقصة المصرية فيفي عبده التي أصبح ظهورها الفني مقتصراً على التمثيل أيضاً نفت «تعمد الإثارة» وهو ما ذهبت إليه أيضاً مواطنتها «لوسي» في ما يتعلق بالأدوار الدرامية، رغم أن مشاهد تجمع الأخيرة تحديداً مع غادة عبدالرازق في مسلسل «سمارة» تقوم فيها الأولى بتعليم الثانية «مهارة الرقص الشرقي» قد لاقت استهجاناً شديداً من متابعين للعمل الذي يعرض حالياً على شاشات عربية عدة.

المنتج الفني لعدد من المسلسلات المصرية المثيرة للجدل في بعض مشاهدها مثل «العار»، و«زهرة وأزواجها الخمسة» العام الماضي، و«كيد النسا» و«آدم» هذا العام محمود شميس من جانبه أكد أن الإثارة ليس منبعها الأعمال الفنية نفسها، بقدر ما هي حملات يتم تدبيرها ضد أعمال بعينها، غير مستبعد عنصر «الإثارة الصحافية وليس التمثيلية» على حد تعبيره.

النقاد والصحافيون

«الحسن والحسين ومعاوية» وإن تصدر قائمة الجدل و«الإثارة» بمعناها الواسع بسبب مخالفته لفتوى أزهرية تحرم تجسيد أدوار الصحابة لم يكن الوحيد، هذا العام، لكن ندرة المعروض وتدني مستوى الكثير من الأعمال، وغياب مسلسلات بمقدورها أن تجمع الشارع العربي على شاشة واحدة، دفع القائمين على «الوجبات الدرامية في رمضان» إلى زيادة الحد المتعارف عليه سنوياً من محاولات إثارة الجدل، إلى الدرجة التي فوجئ فيها الجمهور منذ أيام بتسريب كواليس برنامج المذيعة الكويتية حليمة بولند، الذي تم وقفه العام الماضي تقوم فيه بتوجيه ألفاظ نابية تعبر فيها عن استيائها من جمهور المتصلين من جنسية عربية شقيقة بعينها، في استكمال لإثارة موضوعات تغطي على فشل درامي لم تستطع الكثير من القنوات العربية تجنبه في زمن «الثورات العربية».

استثمار مناسب

ترنح امبراطورية الدراما المصرية وشبه انهيار نظيرتها السورية لم يقابل باستثمار مناسب من قبل «الخليجية»، وامتد سياق الجدل والإثارة حول المعروض الدرامي ليخرج من بيئته التقليدية ليصل إلى شاشة تلفزيون أبوظبي عبر مسلسل «كريمة» الذي لايزال يواجه مطالبات قوية برفضه، رغم أن الشهر الفضيل شارف على الانتهاء، وفي حين أن آخر عهد تلفزيون دبي مع مشكلات المعروض الدرامي تمثل في دعوى قضائية أقامها نجل «نزار قباني» اعتراضاً على محتوى مسلسل بثته القناة حول سيرته الذاتية، إضافة إلى ملاحظات لشرائح جماهيرية حول بعض حلقات «فريج»، و«شعبية الكرتون»، و«حاير طاير» في مواسم سابقة، إلا أن الجدل هذا العام كان على أشده في ما يتعلق بمسلسل «بنات الثانوية» الذي أشارت مصادر عدة إلى أنه تم رفضه رقابياً في الكويت، فيما أكد مدير الإنتاج الدرامي في مؤسسة دبي للإعلام عبدالله العجلة، أن « هناك مغالطات صحافية في هذه المعلومة، وأن العمل تم الاعتذار عن الحصول على حقوق بثه من قناة الراي الكويتية بعد أن تعرض لحملة بُنيت على مشاهد أعطت انطباعات خاطئة في تنويهات الدعاية لعرضه»، مؤكداً أن المحتوى الدرامي الذي سيتم كشفه في ختام الحلقات سيصحح صورة العمل الذي صنفته كتابات صحافية على أنه مشوّه لصورة الفتاة الخليجية.

كرة الإثارة وتعمد إثارة الجدل في المقابل يقفها ثالوث الإنتاج والإخراج والتمثيل، فيما بينها، وأحياناً تجتمع على قذفها باتجاه كاتب السيناريو، وهو ما فعله أحد أشهر المنتجين الفنيين في مصر محمود شميس الذي يقف وراء بعض المسلسلات التي تم تحريك دعاوى قضائية بالفعل ضدها، سواء بسبب ظهور ممثلات بملابس وأوضاع غير مناسبة لحرمة الشهر الفضيل حسب الدعاوى القضائية أو غيرها، حيث أضاف شميس الذي شارك في إنتاج «زهرة وأزواجها الخمسة»، و«كيد النسا»، و«آدم»: «لا يعنينا تعمد البعض الزج بنا في دعاوى قضائية، أو اتهامنا بالإثارة أو ما شابه ذلك، فالإنتاج الفني ليس هو كل شيء في العمل الدرامي الذي يقوم في الأساس على نص كاتب، ورؤية مخرج وأداء ممثلين، وعوامل أخرى عدة تكتمل جميعاً ليظهر العمل في صورته الدرامية، وفي حال خروج أي عنصر من تلك العناصر عما هو متوقع منه بما في ذلك جهة الإنتاج فإن العمل سيولد مشوهاً، وهو ما لم يحدث في كل تلك الأعمال التي وصفوها بأنها مثيرة للجدل». ونفى شميس أن يكون المنتج الفني عموماً بمقدوره أو في مصلحته أن يتعمد إثارة الجدل، مضيفاً «الجمهور العربي أصبح شديد الوعي، لكن للأسف هناك فئة تسعى إلى تحقيق مصالح شخصية باتهام بعض الأعمال المهمة بالإثارة، فضلاً عن إقامة دعوات قضائية ضدها للأسباب نفسها».

تعمد الإثارة

أكثر الممثلات المصريات اتهاماً بالإثارة في أعمالها الرمضانية وبطلة «زهرة» العام الماضي و«سمارة» هذا العام الممثلة غادة عبدالرازق نفت هي الأخرى تعمدها الظهور بملابس وأوضاع مثيرة من أجل تحقيق مزيد من المكاسب التسويقية للمسلسل، مضيفة: «من المعروف أن اقصر طريق لتحقيق شهرة أو نجومية هو الإثارة، فإذا استطعت أن تقدم مشاهد ساخنة في أحد المسلسلات موسم ما، فماذا ستقدم في العام التالي له، وبالنسبة لي فإنني أقرأ وأعيش التركيبة النفسية لدوري بشكل جيد، فإذا كنت زهرة الفتاة العشرينية التي تكبر أمام أعين المشاهد وتتحول إلى سيدة جميلة وتظل دائماً مطمعاً لكل الرجال المحيطين بها، يجب أن أقنع المشاهد بذلك، بشتى الوسائل، بما فيها الإكسسوارات والملابس، وعندما أكون (سمارة) الفتاة الشقية التي نشأت في حارة شعبية لتصبح حديث الحارة وسكانها، ومن يفدون إليها، قبل أن يسلمها جمالها وذكاؤها إلى تحولات درامية متعددة، يجب أن أقنع المشاهد ايضاً بذلك، دون أن يعني هذا الأمر بأن أحداً بالأساس يتعمـد اللعب على عنـصر الإثارة».

مخرج مسلسل «كيد النسا» أحمد صقر الذي يجمع في عمله الذي يبث على قناة دبي الفضائية عدداً من الممثلات منهم سمية الخشاب وفيفي عبده، لم ينجح هو الآخر في عمله من الاتهام الذي يؤكد أن «دعاته دائماً يقومون باقتطاع مشاهد بعينها عن سياقها الدرامي، ويغفلون حقيقة أن هدف المخرج وكاتب النص والممثلين وجميع المشتركين في العمل هو إقناع المشاهد بصدقية ما يشاهده على الشاشة»، متفقاً مع شميس وبطلة «سمارة» في أن «بعض الأقلام الصحافية، وعدد من المحامين المتخصصين في رفع دعاوى قضائية ضد جهات الإنتاج تحديداً هم من يسعون إلى الإثارة».

طباعة