راهن على إعلاء القيم الإنسانية والتركيز على التسامح والتعايش

«دبي للتسوّق».. العـالم بـين يـــــــــديك

دبي مساحة للألفة والتعايش وقبول الآخر. تصوير: أشوك فيرما

من السماء تبدو دبي ملونة كشجرة ميلاد عملاقة، أضواء تومض، وأخرى ثابتة على شكل خطوط، تقسم المدينة وتمنحها ذلك الطابع المنظم الذي سرعان ما ستكتشفه حين تحط بك الطائرة. المقيمون في دبي قد يكونون معتادين على هذا المنظر، لكن العجوز التي كانت تجلس قربي حاملة ملامح ارتباك المسافر إلى مدينة لا يعرفها، كانت تنظر من نافذة الطائرة مثل طفلة يسكنها الفضول لمعرفة كل شي، ولذلك لم تكن تتوقف عن السؤال: أين النخلة؟ أين برج خليفه؟ كيف سيعرف أولادي أني وصلت؟ هل الطقس حار في الخارج؟ وأمام تلك النظرات المنكسرة التي تحملها الأمهات عادة، كان علي ألا أتوقف عن الشرح وربما أحياناً بمعلومات غير دقيقة، لكنها كانت أجوبة كافية لتسلية امرأة تركب الطائرة للمرة الأولى، حاملة معها عاصفة من اللهفة إلى أولاد وأحفاد لم ترهم منذ مدة طويلة.

من السماء ستعطيك تلك الأضواء الكثير من الإشارات إلى أنك ماض إلى مدينة محفورة في الذاكرة من دون أن تدعي ذلك. حتى الذي لم يزر دبي سابقاً ستراه يعرف عنها الكثير. مدينة المعجزات يقول عنها البعض، الأكثر نمواً في العالم، مدينة ناطحات السحاب، صورة المدينة العربية الحديثة، وعلى هذا المنوال يمكننا وضع الكثير من الاقتباسات عن مدينة سرعان ما ستغمرك بالدهشة، والتفاصيل، وسرعان ما ستذوب وسط هذا التنوع من اللحظة التي تغادر فيها الطائرة بشرط أن تكون بمفردك، وليس برفقة عجوز أمسكت ذراعك وجعلتك تحمل حقيبتها المحشوة بالحلويات، والطبخات التي سيلتهمها أولادها ربما من الليلة الأولى.

ذلك الأثر

كيف لمدينة صغيرة مثل دبي أن تترك كل هذا الأثر الذي ستحمله معك أينما ذهبت؟ سؤال لابد أن يطرح نفسه عليك بأكثر من شكل وطريقة، والجواب الذي يبدو أكثر إقناعاً هو التنوع، أو كما كان يقول أحد الأصدقاء «دبي هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكنك أن تلتقي فيه خمس جنسيات في مصعد واحد».

من اللحظة الأولى ستدرك أنك في مدينة المفاجأت غير المتوقعه، كأن ترى «بات مان» يتجول في المطار، أو أن يقفز «سبايدر مان» أمام مجموعة من الأطفال راسماً فوق أفواههم دهشة لن ينسوها في حياتهم، أو أن تتشبث بك امراة عجوز تتأمل وجوه وملامح كانت تراها فقط على شاشة التلفاز. المرأة تمسك بي بقوة، وأغراضها الثقيلة على ظهري، ولم أكن أتوقع أن تكون «أم خماس» الشخصية الكرتونية الإمارتية الشهيرة هي منقذتي، عندما قالت: أهلاً بكم في مهرجان دبي للتسوق، حاملة معها باقات الورد التي وزعتها على ضيوف دبي، صافحت «أم خماس» العجوز التي أفلتتني أخيراً بعد أن شعرت بالأمان، وصعدتا معاً سيارة «الغولف» التي مضت بهما بعيداً إلى حيث ستجد العجوز أولادها بانتظارها. «إنها العائلة تجتمع من جديد»، هذا ما قلته في نفسي بينما كان شعار مهرجان دبي للتسوق يظهر أمامي حاملاً جملته الشهيرة «عالم واحد.. عائلة واحدة».

بُعد إنساني

لم يكن مهرجان دبي للتسوق وسيلة للترويج السياحي والاقتصادي فقط، فقد حمل منذ تأسيسه عام 1996 شعاراً أعطاه بعداً إنسانياً لافتاً، كأن لسان حال المهرجان يقول: «كل ما سترونه هو لكم جميعاً، لكل العائلات على اختلاف جنسياتها ومستوياتها، إنها فرحة أريد رسمها على وجوه الجميع، أنا ضيفكم السنوي، صديق الأطفال، والفنانين، والكرنفالات، والعروض، وأنا أيضاً من سيقلب حياة عشرات الأشخاص رأساً على عقب، بلحظة مباغته يمكنك أن تصير ثرياً، في شارع ما ستجد كل الشخصيات الكرتونية التي ألهمت طفولتك تتحرك أمامك، من حيث لا تدري تزدان سماء المدينة بألعاب ناريه تحيل السماء إلى فرجة مدهشة، فقط انظر حولك، وكن شريكاً في كل هذا الفرح».

كثيرة هي المهرجانات حول العالم، لكن ما يميز مهرجان دبي للتسوق هو قدرته على التجدد، ربما لأنه في مدينة متجددة عينها على المستقبل، يسكنها الحماس والرغبة في العطاء والتحدي. وقد تكون قدرة المهرجان على خلق علاقة حميمة مع الناس عاملاً من عوامل النجاح، فالاستماع إلى آراء الناس سيقودك إلى مئات الحكايا الفردية التي تصنع في نهاية المطاف قصة إنسانية فريدة. في لحظات كثيرة ستشعر بأنك تمسك العالم بيد واحدة، أو أن خيوطه بين أصابعك، تتبع أحد الخيوط تجد نفسك أمام عرض يلخص لك ما كنت تجهله عن إفريقيا، تتبع خيطاً آخر فيأخذك إلى بوابات الهند، ستكون الصبن قريبة، وإن التفت إلى الجهة الثانية ستجد ساحرا يخفي أرنباً في قبعته الصغيرة، وعلى مقربة منه رجل ينام على المسامير ويأكل الزجاج. كل ذلك سيتحقق وأنت تتجول في أحد شوارع دبي أو مراكز التسوق، ولابد لك أن تتساءل آنذاك: أي مكان في العالم يمكنه أن يختصر كل هذه الأشياء في شهر واحد؟

لعبة صناديق

البحث عن تشبيه مناسب لمهرجان دبي للتسوق سيجعلك تراه مثل سباق التتابع، أو لعبة الصناديق، كل واحد يفضي إلى آخر. فلا تعتقد أن الرحلة التي تبدأ صباحاً ستنتهي ليلاً، لأن السوق الليلي بانتظارك. أنت باختصار في مدينة لا تنام، الاحتمالات جميعها مفتوحة، قد تذهب مع عائلتك لقضاء ساعة واحدة فقط، فتجد نفسك عائداً إلى بيتك أو فندقك بعد منتصف الليل حاملاً أولادك النيام من التعب والتجربة والفرحة.

حين سألتني العجوز في الطائرة عن مهرجان دبي للتسوق، كنت سأقول لها كل ذلك، لكن من الحوارات الأولى أدركت أن سمعها ضعيف قليلاً، وكان أي حوار معها سيتحول إلى محاضرة يسمعها كل ركاب الطائرة، فقلت في نفسي دعها تكتشف كل ذلك بنفسها.

على مدى الأيام الماضية كان حفل المغنية الشهيرة إيمي وينهاوس حديث الجميع، فلم يكن أحد من الضيوف والمقيمين في دبي والإمارات بصورة عامة يعتقد أنه سيرى هذه الفنانة المؤثرة وجهاً لوجه. قد يكون اسم هذه الفنانه لا يعني الكثير لأعمار معينة لكن هذه الفنانة وباعتراف كبار نقاد الموسيقى في العالم تمثل ظاهرة موسيقية حقيقية. وليس خفياً أن واينهاوس تطل على الشرق الاوسط من بوابة دبي ومهرجانه الذي استقطب على مدى السنوات الماضية من عمره عمالقة الفن والموسيقى من أرجاء العالم. طبعاً ليس حفل واينهاوس هو الحدث الفني الوحيد بل استمتع الزوار بمجموعة من الحفلات التي راعت جميع الأذواق والثقافات المتنوعه التي تحتضنها هذه المدينه.

رسالة إنسانية

بعيداً عن كل ما يقدمه هذا المهرجان من فعاليات فنية وتسويقية أثبتت نجاحها، تظل رسالته الإنسانية هي الأبرز والأهم في عالم تضيق فيه المساحات الملهمة والآمنة على الناس. تظل القيمة الإنسانية في هذا الحدث هي نقطة الجذب العميقة والمؤثرة، الصورة المضيئة للتعايش واحترام الآخر ميزة لا يمكن تجاهلها. فمهما كان الحديث كبيراً وضخماً لن يكون مؤثراً إن لم يخلق من حوله حالة حب وتفاعل جماعي، وتقبل للآخر مهما كانت الفروقات الثقافية والاجتماعية. هذه الرسالة التي يحملها الجميع معهم بعد المهرجان تلعب دوراً وإن كان غير مباشر في نشر قيم يبدو العالم بأمسّ الحاجة إليها. نبذ التعصب، الاستماع إلى وجهات النظر، وطرق العيش، وأساليب حياة مختلفة، والشعور بأننا جميعاً سواسية، تنبض في عروقنا الدماء ذاتها، ونتقاسم الشمس والهواء والرغبة في حياة آمنة قوامها السلام والعيش المشترك.

ظاهرة عالمية

اليوم ومع دخول مهرجان دبي للتسوق عامه 16 لم يعد مجرد حدث محلي ضمن الأحداث الكثيرة في دبي، بل تحول إلى ظاهرة عالمية يشار إليها حين يتم الحديث عن أبرز المهرجانات في العالم. تحول هذا الحدث إلى حاجة ليس على المستوى المحلي فحسب، وهذا الأمر تؤكده حجوزات الفنادق، وتأشيرات الدخول إلى دبي خلال مدة المهرجان. مئات العائلات صارت ترتب إجازاتها تزامناً مع المهرجان.

استطاع المهرجان أن يكون ملهما للعديد من الفعاليات المشابهه التي انتشرت هنا وهناك، لكنها لم تستطع أن تؤسس لنفسها الوقع ذاته الذي اسسه دبي للتسوق، ليس لناحية نوعية وشكل الفعاليات، بل لأنه أسسس لعلاقة عميقة مع حميمية العائلة، والانفتاح على فنون العالم تحت مظلة إماراتية ناظمة ورافدة استطاعت أن تمنحه القدرة على اكتساب الثقة وزرع حالة من الرضا في نفوس الجميع.

ممتع جدا أن تعود إلى بيتك راضياً، وأن ما اختبرته اليوم من أحداث لن يتكرر غداً، وأنك ستعود كل يوم إلى مقر إقامتك حاملاً هذا الشعور الذي يصعب أن يكون حالة عامة. إنها قصة نجاح منسوجة بهدوء وحب، تشبه إلى حد كبير سجادة مدهشة الصنع من تلك التي نراها في واحة السجاد التي تمثل زيارتها حكاية إبداعية على إيقاع أصابع حرفية نادرة.

قد لا ألتقي تلك العجوز مرة أخرى، لكن قصص زوار دبي لا تنتهي أبداً، إنها حكاية أفراح، وذكريات لا تنسى يرسمها المهرجان على وجوه من جنسيات مختلفة.

بعد نهار طويل فكرت في أن تلك العجوز ستكون بين أولادها وأحفادها في مكان ما من دبي، إنها متعة العائلة حين تجتمع، إنه العالم الواحد حين يصير بين يديك.

طباعة