معتصمون مصريّون حوّلوا المكان إلى تظاهرة ثقافية واجتماعية

حياة متكاملة في ميدان التحـريـــــر

المعتصمون في ميدان التحرير جهزوا أنفسهم لحياة كاملة بانتظار تحقيق مطالبهم. رويترز

يشدو أحد شباب الـ«فيس بوك» على عوده أمام حشد كبير من المتظاهرين في ميدان التحرير بكلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم، وألحان الشيخ إمام، طرباً للثورة ولبلاده «مصر يامّا يا سفينة، مصر يامّا يا بهيه، يا ام طرحه وجلابيه، الزمن شاب وانتي شابه، هوا رايح وانتي جايه». وإذ يعلو صوته بالغناء لينقل إحساسه المفعم بالوطنية فهو يحمّس زملاءه من كل الأطياف السياسية وشرائح المجتمع على الصمود في وجه سلطة النظام الحالي.

وجوه الانتفاضة

https://media.emaratalyoum.com/inline-images/354095.jpg

أفرزت الثورة الشعبية المصرية، وجوهاً لمعت في ميدان السياسة، وناشطين برزوا بعدما استساغ المصريون حديثهم، وباتوا أكثر صدقية من أحزاب المعارضة التي اتهمها المصريون بأنها اصبحت جزءاً من النظام، خصوصاً أن هؤلاء الناشطين مثلوا الصوت الإعلامي لثورة الشباب منذ يوم 25 يناير حتى الآن. فقد أظهرت الثورة الناشطة السياسية، والمدونة نوارة أحمد فؤاد نجم، والناشط زياد العليمي، والمدون وائل غنيم، وكريم ضياء، وغيرهم من ممثلي الحركات الشبابية.

ويقول الصحافي والناشط السياسي، مصطفى عبيد إن «هؤلاء الشباب أصبحوا رمزا للتحدي لدى المصريين، فهم الذين حركوا الثورة التي لم تنجح المجموعات السياسية المنظمة والأحزاب في القيام بها، إذ حققوا في أيام عدة ما لم تستطع النخبة السياسية الحاكمة أو المعارضة، بما فيها الجماعات ذات القدرات العالية على التنظيم مثل الإخوان المسلمين على إحداثها. مشيراً إلى أن هؤلاء استغلوا ثورة التكنولوجيا بشكل صحيح، فموقعا «فيس بوك» و«تويتر» لم يكونا مكاناً للترفيه لديهم بقدر ما باتا وسيلة للاتصال والتنظيم بعيداً عن سلطة الدولة الحاكمة التي لم تستطع السيطرة على هذا الفضاء الإلكتروني بأي حال.

وأشار إلى ان الأحزاب استفادت كثيراً من تجربة هؤلاء الشباب الذين صنعوا ثورتهم من حركة الشارع بعيداً عن تنظير النخب والمثقفين، فالإصلاحات السياسية التي عرضها النظام ولم يقبل بها المتظاهرون حتى الآن، لم تكن لتتحقق لولا عزيمة هؤلاء، وقدرتهم على العمل بصورة منظمة، فيما ساعدهم على ذلك التطورات التي حدثت خلال السنوات الـ10 الماضية .

الثورة الشعبية في مصر حوّلت «ميدان التحرير»، الذي يطلق المتظاهرون عليه «ميدان الشهداء»، إلى تظاهرة ثقافية وسياسية واجتماعية، عكست حجم وشكل التنوع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي يمثله المجتمع المصري. ففي ميدان التحرير، ومنذ يوم 25 يناير الماضي تتظاهر النخبة إلى جانب المهمّشين، ويهتف اليساريون إلى جانب «الإخوان» والوفديين والناصريين، ويردد معهم المواطنون ممن لا انتماء سياسياً لهم «التغيير التغيير.. هو مطلب الجماهير».

وسط التظاهرات، رفع (عم أحمد - 59 عاماً) يافطة كتب عليها «أين المساواة يا حكومة؟»، معبراً عن مطالبه بأن تتحول مصر إلى دولة تحترم الحقوق الفردية، وتؤكد سيادة القانون، ويقول: «أشعر بأني مواطن من الدرجة الثانية، ولذلك جئت إلى ميدان التحرير، الذي لن أتركه إلا بعد أن يتحقق هذا المبدأ المهم، فنحن لا نريد رفاهية اقتصادية بقدر ما نبحث عن دولة تحترم رغبتنا في العيش الكريم، وأن نكون كلنا سواء أمام القانون». وأضاف «جئت الى هنا من أجل التغيير، نحتاج الى ان يأتي حاكم يفكر فينا مثلما يفكر في رجال الأعمال».

وليد عبدالله، ترك عروسه وهو مازال في شهر العسل، ليشارك في ثورة مصر، رغم أنه لا ينتمي إلى أي من الأحزاب السياسية المصرية، لكنه يحسب نفسه على التيار الليبرالي، فمطالبه تتلخص في إنهاء حالة الطوارئ التي تعيشها مصر، وبناء نظام جديد للحكم يكفل تداول السلطة وتدعيم الديمقراطية الحقيقية، وكبح الحزب الواحد، وتخلّي رئيس الجمهورية عن رئاسته. يعتصم وليد في ميدان التحرير منذ 25 من يناير الماضي، ويقول إنه لن يبرحه إلا مع «رحيل الرئيس المصري حسني مبارك»، وكتب على لوحة يحملها «ارحل بقى.. مراتي وحشتني» فهو يشتاق الى زوجته التي تركها لأداء واجبه الوطني.

حياة كاملة

في ميدان التحرير، أسس الثوار لحياة كاملة، فقد استعدوا لقضاء أيام طويلة بعد أن نجحوا في السيطرة على الميدان. هناك دوريات للحراسة، وعمليات نقل لوجستي للمؤن والغذاء والمياه، إضافة إلى التنسيق بين المجموعات الشبابية المختلفة لتوحيد الخطاب الإعلامي، وهناك أيضاً اتفاق على مطلب الثورة وهو رحيل النظام الحاكم.

وبينما أحضر حسن بدوي (62 عاماً) كفنه الأبيض معه إلى الميدان، راغباً في الشهادة داخل ميدان التحرير أو أن يحدث التغيير فيعود إلى حياته، فالرجل وهو أب لثلاثة أبناء، كلهم من خريجي الجامعات المصرية، يواجه أزمة في توظيف هؤلاء الشباب الذين أصبحوا عبئاً عليه، وعلى المجتمع، بحسب رأيه.

ويضيف «لا يوجد لديّ ما أخسره، فقد فاض بي الكيل، ولن أعود الى التصفيق لهذا النظام، لقد خدعنا سنوات طويلة، ولابد أن يتغير». وقال: «فقدنا كل سبل التغيير السلمي عن طريق الانتخابات، فالانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في مصر أفرزت فوز الحزب الوطني الحاكم بنحو 95٪ من المقاعد، ما يعني أن التوريث مقبل لا محالة، وأن الأحوال الاقتصادية والسياسية ستكون أسوأ». ويضيف «سنبقى في ميدان التحرير حتى يتغير النظام وتتحقق مطالب الشعب المصري، هذه ثورة شعبية وليست اعتصاماً مفتوحاً، وإذا لم تتحقق مطالبنا بسقوط النظام، فإننا باقون حتى لو دهستنا مدرّعات السلطة».

فساد

هتافات

ردّدت جموع المتظاهرين في ميدان التحرير هتافات عدة، وقام الكثير من المتظاهرين بتأليف تلك الهتافات التي عبرت في مجملها عن مطالب الشعب المصري في التغيير، منها:

الجدع جدع.. والجبان جبان.. واحنا يا مُبارك حنموت بالميدان.

عايزين حكومة حرّة.. العيشة بقت مُرّة.

عايزين حكومة جديدة.. بقينا ع الحديدة.

الجيش المصري جيشنا ومبارك مش رئيسنا.

عاوزين بلدنا حرة.. العيشة بقت مرة.

الشعب.. يُرِيد.. إسقاطَ النِظام.

بالجيش.. والشعب.. حنكمّل المِشوار.

ارحل ارحل زي فاروق.. شعبنا منك بقى مخنوق.

عَل وعَل وعَل الصوت.. إللي حيهتف مش حيموت.

يا حاكمنا بالمباحث.. كل الشعب بظلمك حاسس.

أحمد عز.. باااطِل.. فتحي سرور.. باااطِل.

هشام الشرقاوي (39 عاماً)، رجل أعمال مصري، لكنه يرى أن « الفساد انتشر بالصورة التي تعيق حياته وعمله، فقد بات مضطرا الى دفع الرشوة في كل مكان، رغم قانونية معاملاته»، ويضيف «نعاني في مصر السلطة المطلقة التي أفرزت هذا الفساد المطلق، فالفساد انتشر مؤسسياً، ولا يوجد من يجرؤ على التصدي له، لذا نحن هنا في هذا الميدان، ولن أعود إلى عملي قبل أن يتغير النظام، الذي انتشرت في عهده الرشوة والمحسوبية التي أعاقت حياة المجتمع».

«بانتومايم»

إلى جانب التنظيم والدعم اللوجستي والخطاب الإعلامي، يظهر الترفيه الذي تجلى بشتى الطرق، فالمعتصمون قرروا أن يستمتعوا بأوقاتهم، إذ قام أحد فناني «البانتومايم» بتمثيل الحركات التي تعبر عن مطالب الجماهير، فيما قام آخر بتأليف مقاطع تمثيلية ساخرة، فيما يشبه مسرح الشارع لتوصيل رسالة الثوار بطريقة خفيفة، لكن الثوار يستمعون إلى الأغنيات ويرقصون طرباً، ويمارسون الرياضة، لكن مجموعات العمل أيضاً لم تنسَ أن التظاهر قد يخلّف أطناناً من القمامة، فراحوا يكنسون الشوارع ويجمعون القمامة، بل استخدموا خراطيم المياه الرئيسة في غسيل أرضية الميدان الأسفلتية، فهناك عشرات الأطفال الذين يلهون هنا وهناك، ويمكن أن يكونوا عرضة للموت.

أوجه الحياة

للحياة أوجه أخرى في الميدان، فهناك شاب وفتاة قررا عقد قرانهما أمام مئات الآلاف من المعتصمين، فيما يقوم الأقباط بتشكيل حلقات بشرية للإحاطة بالمسلمين الراغبين في أداء الصلاة، لكن إخوانهم شاركوهم في قداس أقيم في الميدان على أرواح الشهداء الذين قتلوا خلال المواجهات مع قوات الشرطة. وقرر آخرون جعل جنازير الدبابات والسيارات المصفحة التابعة للجيش، ملاذاً للنوم، إذ يقولون إن ما بقي لهم هو الجيش الذي يحميهم، لو ذهب الجيش، فإنهم لا يعرفون مصيرهم الغامض أمام بطش السلطة.

ميدان التحرير بات مثل خلية نحل حتى الصباح، فطوال النهار وحتى منتصف الليل يعج المكان بالازدحام والهتافات المُطالبة بتنحّي الرئيس وإسقاط النظام، إذ لم تقف المطالبات عند الشباب الذين أطلقوا شرارة الثورة، بل أيضاً حضرت النخب الثقافية والفنية بقوة داخل الميدان، فترى الفنان خالد الصاوي وعمرو واكد وعمار الشريعي وعبد العزيز مخيون وخالد أبوالنجا، وآسر ياسين، والمُخرج خالد يوسف الذي يقود بنفسه بعض المسيرات، فيما يستمع الشباب إلى كلمات من الداعية عمرو خالد، أو المُحلل السياسي الدكتور عمرو حمزاوي، أو يتناقش مع المفكر محمد سليم العوا، أو الكاتب علاء الأسواني، أو يحتسي الشاي مع الكاتب الصحافي محمد عبدالقدوس، أو يستمع لشعر عبدالرحمن يوسف.

لوحات

في أحد أطراف الميدان توجد سيّارة من مدرعات الشرطة التي أحرقت بالكامل، وقف عليها متظاهر رافعاً لوحة مكتوباً عليها «ارحل يا مبارك»، فيما وضعت عليها من الخلف لوحة كرتونية مكتوب عليها «مقر الحزب الوطني»، لكن هذا الشاب يسلّم لوحته الى آخر ليقوم بتوزيع بعض الأطعمة الخفيفة أو الماء على زملائه أو جمع القمامة من أرجاء الميدان. وحمل رجل يافطة على رأسه كاتباً عليها «الشعب يريد اسقاط النظام»، فيما كمم فمه تعبيراً عن التضييق على الحريات، بينما رفع شاب يافطة لم تخلُ من الدعابة، إذ كتب عليها «انجز عشان عاوز أحلق شعري»، بينما عبر آخر عن ضيقه من طول فترة الاعتصام فكتب على يافطته «ارحل.. إيدي وجعتني» ونام آخر ملتحفاً بقطعة قماش كتب عليها «ارحل يا مبارك».

طباعة