«الميدان» تحوّل إلى بيت كبير يتسع لكل المصريين

«التحرير» لوحة يرسمها الشعــــــــب

ميدان التحرير جمع المصريين على اختلاف آرئهم وأفكارهم. إي.بي.أيه

لم يستطع الأستاذ الجامعي المصري المقيم في بريطانيا، الذي يحضر لشهادة الدكتوراة، عمر عبدالرحمن (30 عاماً)، أن يشاهد ما يحدث في ميدان التحرير من خلال شاشة التلفاز ، ومن دون تردد حزم حقيبته الصغيرة وتوجه إلى مطار هيثرو لقطع «تذكرة الحرية» إلى مصر، عمر الذي لم يتوقع أن يعيش هذه اللحظة التي كان يزرعها بداخله والده منذ الصغر، رأى نفسه خارج أي انتماء أو فكرة سياسية، لم يكن هناك إلا مصر.. فميدان التحرير صنع لحمة شعبية بين المجتمع المصري بكل أطيافه، وأصبح المكان لوحة فنية فيها كل التفاصيل لرسام واحد اسمه الشعب.

لحظة تاريخية

قال عمر لـ«الإمارات اليوم» في اتصال هاتفي «لم أحتمل ألا أكون موجوداً في هذا الحدث التاريخي، كانت لدي رغبة أن اكون جزءاً من التفاصيل من خلال الوجود او الكتابة او الرصد او الاستماع عن قرب»، وأضاف «لم استطع الوجود في قلب الحدث منذ لحظته الأولى، لكن الأيام التي كنت فيها بالميدان أشعرتني أن كل السنين التي عشتها سابقاً لا تساوي شيئاً أمام هذه اللحظات التي عرتنا من كل شيء واحتفظت بمصريتنا وعروبتنا ووحدتنا، وازالت كل الحواجز التي كان يبنيها النظام طوال فترة حكمه».

عن اللحظة الأولى التي وطأت قدماه ميدان التحرير، قال «شعرت بأن هذا الميدان هو الحلم الذي عاشه آباؤنا وعشناه في الخفاء، وفي لحظة صار هذا الحلم قريباً من العين، وملامساً للقلب»، وأوضح «يومياتي تبدأ في الميدان وتنتهي فيه، صار منزلي الذي يضم اخوتي وأصدقائي وعائلتي واقاربي، وصار الملاذ الذي أرتاح فيه وأعبر فيه عن مكنوناتي الداخلية وأفجر فيه طاقتي وبصوت عالٍ جداً من دون خوف او ريبة»، وأضاف «لدي خيمة مرابط فيها لكنني أزور عائلتي من وقت لآخر، خصوصاً في فترة الصباح التي يكون فيها المتظاهرون بين اعمالهم او بيوتهم، اصبح كل الموجودين في الميدان وجهوهم مألوفة لي، اسلم عليهم واجلس معهم، لم اعد بحاجة إلى الاتفاق مع اصدقائي، ففي كل يوم يولد صديق جديد احتمي به ويحتمي بي».

وأشار إلى أن من أكثر الأشياء التي كانت ترعبه، فكرة انتشار الفساد او التحرشات الجنسية التي يمكن أن تتتعرض لها الفتيات المشاركات في الحدث، إلا أن هذه المخاوف تبددت منذ اللحظة الأولى، فمنذ بداية الثورة حتى هذه اللحظة لم نسمع أن شاباً ضايق فتاة بنظرة او كلمة جارحة، حتى الرجال الملتزمون دينياً استوعبوا فكرة وجود امرأة في الميدان ضرورةً شعبيةً مؤثرة، فتراهم يتحاورون معهن وأصبحوا حراساً لهن».

نساء في الميدان

أكدت الطبيبة مي خليل (28عاماً) أن الكثير من النساء تخوفن في البداية من الوجود في ميدان التحرير، لكن سرعان ما أصبح حضور المرأة كبيراً ومؤثراً، صرن يأتين بمفردهن متسلحات بالشجاعة والمناخ الإنساني الآمن اللذين اتسم بهما المكان، ولثقتها بأن الجميع عون لها وحامون بقاءها». وقالت «أنا وزوجي ننظر الى هؤلاء الفتيات اليافعات وقد ملأت الكرامة وجوههن، المرأة موجودة كأخت وأم، نراها تساعد شاباً برفع علم هنا، أو شعار هناك، وتضمد الجراح وتسعف المصابين».

قالت مي «إن الذي يحصل في مصر لم يعشه جيلنا قبل ذلك، قررنا ان يكون ميدان التحرير منزلنا، اصبحنا نعيش فيه يومياتنا، ونحاول أن نبعد أي شعور بالملل، الفنانون يرسمون لوحاتهم على الأرض، والذي يتمتع بصوت جميل يمسك الميكروفون ويغني، ومن لديه هواية العزف يعزف الأغنيات الوطنية»، وأضافت «زوجي على سبيل المثال يكتب الشعر وفي الليل يمسك الميكروفون ويبدأ يقرأ الشعر، وإلى جانبه شاب يعزف على آلة العود، الأمر يشبه أمسيات شعرية يومية».

كرنفال التحرير

المهندس أكرم إسماعيل (30 عاماً) جاء ميدان التحرير منذ اللحظة الأولى، وقال « أذكر أنني خرجت في اليوم الأول بحثاً عن الشارع الذي ستبدأ منه المظاهرات، قصدت شارع رمسيس، ولم اجد سوى 10 اشخاص تقريباً بعدها توجهت الى دار القضاء فرأيت مظاهرة تقليدية فيها 300 شخص وعناصر الشرطة اكثر منهم، فبدأ الشك يدخل قلبي انه لا يوجد شيء الى ان اتصل بي والدي، وهو طبيب واستاذ جامعي، وقال لي ان هناك مظاهرة امام نقابة الأطباء (دار الحكمة) فاتصلت بأصدقائي وقصدنا دار الحكمة، وبدأنا المشي وبدأت عناصر الشرطة تكتسح الأمكنة فلم نجد انفسنا الا امام ميدان التحرير وبالمصادفة اجتمعت كل المظاهرات المتفرقة وكأن ميدان التحرير كان جاهزاً لنا فاتحاً لنا ذراعيه»، وأوضح إسماعيل «أنا في إجازة حالياً الى حين تحقيق جميع مطالبنا، اذهب أانام وأصحو في الميدان ، امارس كل هواياتي من رياضة وغناء ومحادثات سياسية فيه من دون خوف او خجل، وكأني في بيتي فالميــدان اصبــح كرنفالاً ثقافياً سياسياً اجتماعياً»، مشيراً الى أن «الملايين التي تتجمع فيه اصبحو اصدقائي، أجلس معهم وأشرب معهم القهوة والشاي ونفطر سوياً، عندما اشعر بالتعب او بحاجتي الى الاستحمام مثلاً، يعرض علي شاب ما او فتاة الذهاب إلى منازلهــم القريبة من الميدان، لقد أصبحنا عائلة واحدة» .

سواسية

من اكثر الأشياء التي يحرص ان يعيشها اكرم بشكل يومي، الحديث مع جميع الفئات المختلفة التي توجد في الميدان، وقال «في هذا المكان عرفنا كم نحن مصريون وفقط، وكل الذي كان يقال: هذا (إخوان) أو يساري أو شيوعي أو يميني أو قبطي لا وجود له في ارض الميدان، المخاوف ومحاولات التفرقة التي عمل النظام على زرعها في نفوس الناس زالت وتبددت في هذه اللحمة الوطنية الكبيرة»، وختم أكرم كلامه «في ميدان التحرير نضحك ونلعب ونرقص ونلقي شعراً ونغني ونرسم ونتحاور، في الميدان لا نخجل من اظهاره كل مالدينا امام العالم، في ميدان التحرير اقتربنا من قلوبنا التي انتفضت معنا لأنها كانت مسجونة فينا منذ سنين».

طباعة