عمل تسجيلي من دون صنعة فنية أو أدبية

مرزاق بقطاش «في الهواء الطلق».. رواية غير ممتعة

الرواية تصوّر تدخّل العسكر في مرحلة ما في كل تفاصيل الحياة في الجزائر خصوصاً الحريات العامة. أرشيفية

تحاول كقارئ ان تفتش عن عوامل جذب ومتعة فنية واقتناع فكري في رواية «رقصة في الهواء الطلق»، للكاتب الجزائري مرزاق بقطاش، فلا تجد ما يكفيك كقارئ، فتتمنى ان يوفق غيرك من القراء حيث واجهت الفشل.

تقرأ على الغلاف كلاماً عن الموضوع فتجد أنه يعد القارئ بالكثير، لكن القراءة تدفع هذا القارئ نحو نتيجة يصعب عليه الهرب منها، وهي ان الرواية سواء اعتبرت «واقعية» او «رمزية» في كثير مما فيها انما تقوم على الايهام، فهي تكاد لا تقول شيئاً، وما تسعى الى تصويره بانه شأن متميز إنما يخلو من الجدة والتفرد ويخلق الملل.

الرواية جاءت بلوحة غلاف للفنانة ريم الجندي، وصدرت عن دار الآداب في بيروت، والموضوع فيها بحد ذاته يعد بالكثير، لكن الوعد يتحول بعد القراءة الى ايهام. القصة تتناول جريمة قتل في حديقة عامة في ليلة ماطرة برياح هوجاء وصواعق شديدة. والتفاصيل - حتى في قسم غير قليل من البدايات- تتسم «بكلاسيكية» في عالم الجريمة، وهي هنا جريمة سياسية.

أجواء توحي بصراع على النفوذ وبتخلص من منافسين وخصوم، والرأي العام استنادا الى ما هو شائع والى ما يجري تلقيمه له يحدد القتلة بانهم من المتطرفين الدينيين الملتحين في بلد ثورة المليون شهيد.

يصور الكاتب ما هو متوقع في ذهن القارئ؛ تدخل العسكر في كل شيء، حتى عالم الحديقة لهم فيه مندوب آمر، وهذا المندوب ينافس ابراهيم عامل الحديقة على حب «ضاوية»، وابراهيم المثقف الذي يحمل شهادة ليسانس في الرياضيات اصيب في قدمه خلال الخدمة العسكرية.

ولانه بعد الحادث اطلق لسانه في نقد حاد للمؤسسة العسكرية، لم يلق دعماً من احد فيها ولا في السلطة عامة. لم يستطع حامل الليسانس ان يجد عملاً إلا بعد توسط صديق لوالده كبير المقام. الشاب المصاب الاعرج هو الآن عامل في الحديقة العامة، لكنه مالئ الدنيا وشاغل الناس، كما يتصور نفسه. اما ضاوية فعمها جنرال نافذ، وهي تحب ابراهيم، بينما الآمر العسكري حميد يسعى وراءها دون نجاح.

القتيل الذي عثر عليه في الحديقة عسكري رفيع المستوى، يبدو انه «ازيح» من الطريق، لانه يعرقل عمليات تجارية غير شرعية تعود الى كبار فاسدين.

القتيل كان صديقاً لابراهيم، أما كيف ولماذا وما الذي يربط بين الاثنين فلم يقدم الكاتب شيئاً مقنعا عنه. اما النتيجة فكانت ان الاتهام انصب على ابراهيم.

كلام الناس من خلال مجموعة منهم يذكرنا بدور «الكورس» في المسرحيات الاغريقية القديمة. من اقوال الناس هذه عن الجريمة «هناك حسابات وحسابات طويلة وراءها. الضابط الكبير لقي مصرعه حقاً وصدقاً لانه فعل كذا وكذا من دون موافقة من رفاقه الآخرين».

«وتمادى البعض في تصريحاتهم معلنين ان هناك مبدأ عاماً تسير السلطة بموجبه في هذا البلد لا يمكن مغادرة دوائرها دون دفع التكاليف. الم يقل هواري بومدين لاحد رفاقه بعد انقلاب يونيو 1965 (جئنا معاً وسنغادر المكان معاً)».

ويقول الكاتب «لكن في 24 ساعة كانت الغلبة للمراوغة السياسية على ما جرت به العادة في مثل هذه القضايا المبهمة، فمن المستحيل ان يلقى ضابط كبير حتفه بمثل هذه البساطة والسذاجة، حتى وان كان الارهابيون قد سيطروا على مختلف انحاء المدينة البحرية».

ويضيف بما لا يضفي كثيراً من الوضوح او الافهام على المسألة انه وفي ظرف 24 ساعة حدثت «قفزة تكتيكية سريعة في اوساط اولئك الذين دفعوا الناس الى الظن بان الجريمة ارتكبها اسلاميون ملتحون، وكان ان جمعوا امرهم ونادوا بضرورة وضع اليد على مرتكبها، وذلك لان الامر يتعلق بشرف العسكر وبعض اشباه السياسيين الذين كثيراً ما يسارعون الى الضغط على الزناد».

بعض الخطوات، كنقلها له بسيارتها الى احد الجسور، لتكشف له صفقة تجارية لنافذ هو عمها، غير مقنعة او مبررة ايضا، خصوصاً بالكلام البارد الذي ورد فيها.

ودفتر المذكرات الذي صودر اثناء التحقيق فيه كلام سيئ عن الضباط والمسؤولين، يحوله الكاتب الى ركن اساسي في الرواية. لكن الدفتر لا يحتوي على اسرار فعلاً، بل على كلام لا جديد فيه يعرفه معظم الناس ويرددونه باعتراف الكاتب الذي قال إن اهميتها هي انه مكتوب والحكام يخافون الكتابة لانها تبقى.

ما جاء في دفتر المذكرات كلام لابراهيم عن نظرته الى الامور وتجاربه. يقول مثلاً في ما يشبه تحليلات او تعليقات من عادي كلام كثير من الناس في انحاء من العالم العربي «العقلية العسكرية هي التي صنعت مأساة هذا البلد. الامر يعود الى شهر اكتوبر من عام ،1988 أي الى اليوم الذي عقد فيه الشعب العزم على ان يقلب النظام الجامد، فسال كالطوفان في الشوارع ليجرف كل شيء. المأساة تعود الى عام 1958 اي يوم قام هواري بومدين بما يسمى في تاريخنا (انقلاب العقداء). العقلية العسكرية تغلبت على ثورة شعبية تحريرية ضد المحتلين الفرنسيين. ومنذ ذلك الحين لم يتطور البلد تطوراً طبيعياً».

ومن دون رؤية خاصة او اسلوب ادبي متميز او تحليل متفرد يمضي فيقول وكأن الحديقة عنده هي البلد نفسه «مأساة هذا البلد تضرب بجذور عميقة في تربة الحديقة والانتهازية. الافكار نفسها والسلوك نفسه، لست ادري ما اذا كنا سنتخلص من الزيف في يوم من الايام. اما اصحاب اللحى الافغانية فهم من انشاء النظام نفسه. الذين يمسكون بزمام السلطة هم الذين رخصوا لهم بالتحرك على هواهم».

الرواية تسير ببرودة، وقد تخلق شعورا بالضيق عند القارئ احياناً. الموضوعات التي يجب ان تكون من صلب القضايا، اي الفساد والغش والظلم مثلاً يأتي الحديث عنها باردا دون ان تنطوي هذه البرودة على كبير اقناع ووضوح، تقريرية وبرودة واعادات، وضع البطل الذي يفترض ان يكون مأساويا يأتي وصفه بعيداً عن المشاعر وعن المنطق وعن القدرة على الاقناع، وببلادة لا تثير المشاعر ولا الافكار. ثم إن المشكلات التي تطرحها الرواية لا جديد فيها ولا في الزوايا التي تطرح من خلالها.

وقد نجد احياناً في تغطيات صحافية لشؤون مماثلة درامية وايحاء وتأثيراً في النفس لا نجدها في الرواية. برودة وخواء لا يؤثر في النفس، حتى في وصف عمليات القتل الجماعي، ومنها بشكل خاص موضوع رهيب هو ذبح طفلة.

من امثلة ما نواجهه في شكل او اخر في الرواية من اعادات واعادات اقوال منها تساؤل الكاتب ببرودة «هل من الممكن ان ينفتح هذا البلد ويزدهر ذات يوم بمثل هذه الذهنيات؟ كلا وألف كلا حتى الشمس قد تغيب عن سمائنا الى الابد».

طباعة