كتاب يتعقب العلاقة المتفردة بين أمير الشـعراء وموسيقار الأجيال

شوقي وعبدالـــوهاب في «عش البلبـل»

عبدالوهاب ألتقى شوقي في فترة مبكرة من حياته ولم ينفصلا حتى اللحظة الأخيرة. أرشيفية

يعرض الكاتب والناقد اللبناني جهاد فاضل، في كتاب له صدر، أخيراً، مسيرة الفنان الكبير الراحل محمد عبدالوهاب وتوازيها مع مرحلة من حياة أمير الشعراء احمد شوقي، ليعيد طرح سؤال هو: هل كان محمد عبدالوهاب «صناعة شوقية» من خلال عرض مسيرة الموسيقار والمطرب الشهير وعلاقته بأمير الشعراء؟!

يعيد طرح تساؤلات وصف الكاتب أصحابها بأنهم خبثاء. ويستعرض الكتاب العلاقة الاستثنائية بين موسيقار الأجيال وأمير الشعراء. فشوقي كان يعرف مطربين آخرين مثل عبده الحمولي وعبدالحي حلمي وغيرهما، لكنه لم يسع يوماً الى لفت نظر هؤلاء الى شعره ليلحنوه ويغنوه، كما أنه لم يعرف عنه انه كان يلازم مجالسهم ولم يخصص بالتالي لأحدهم غرفة في منزله كما خصص لعبدالوهاب، كما أنه اشترى له فداناً على طريق الهرم خصص فقط لهما أطلق عليه «عش البلبل».

هذه التساؤلات التي قد يتوهم البعض من القراء أن طرح جهاد فاضل لها لم يخلُ من شيء من الخبث أو من الابتعاد عن إطلاق التهم مباشرة والتصرف بما يشبه اللجوء الى تعبير للصحافي اللبناني غسان تويني هو «لغيرنا أن يقول ذلك»، دارت حول نوع العلاقة التي كانت قائمة بين هاتين الشخصيتين الكبيرتين.

وجاء في الكتاب الذي حمل عنوان «محمد عبدالوهاب.. بين التقليد والتجديد»: اذا كان من المبالغة القول إن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب «صناعة شوقية» استنادا الى الأثر الكبير لأمير الشعراء أحمد شوقي في سيرته وفي فنه، فلا شك أن محمد عبدالوهاب لم يكن ليكون هذا العملاق الكبير في تاريخ الفن العربي المعاصر لولا شوقي. فشوقي ومجالسه وما كان يدور فيها من افكار ونقاشات هما اللذان صنعا هذه الظاهرة الفنية الخالدة»، وأشار فاضل إلى «كان من تقليد اهل الصناعة الواحدة كالفن والغناء والشعر والادب أن يلزم المريد مجلس شيخه ليتتلمذ عليه ويأخذ منه، حتى يتحول الى شيخ.. لكننا في حالة شوقي وعبدالوهاب.. لم نكن إزاء «شيخ» و«مريد» من أهل الصناعة الواحدة بل إزاء شيخ ومريد من صناعتين مختلفتين». أوضاف «احتضن شوقي عبدالوهاب واهتم به اهتماماً شديداً بحيث لم يكن يفارقه على مدار الساعة». ويقول عبدالوهاب إنه كان يلتقي شوقي يومياً من الساعة 12 ظهرًا ويظلان معاً حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وقد اثارت هذه العلاقة حنق بعض أفراد أسرة شوقي، ومنها ابنه حسين الذي كان يتشاجر كثيراً مع عبدالوهاب، لأنه كان يأخذ من طريقه الوقت الذي يفترض أن يخصصه له والده».

وقال فاضل إن « عبدالوهاب سخر في حوار تلفزيوني من القصيدة التي غناها من نظم حسين شوقي ومطلعها «سهرت منه الليالي ما للغرام ومالي». وتحدث عن مرحلة مبكرة قام فيها احمد شوقي بعد أن حضر سهرة غنى فيها عبدالوهاب الصبي الصغير بمسعى أدى الى منع الصبي من السهر والغناء في هذه السن قبل أن يعود ويلتقيه بعد مدة قصيرة، وقد تحول الصبي إلى فتى. أضاف الكاتب يقول: «لا شك أن معاشرة يومية متمادية بهذا المقدار (14 ساعة من 24) بين شاعر كبير ومغن ناشئ لم ينل سابقاً من الثقافة قسطا يذكر من شأنها توليد الاهتمام بالثقافة والرغبة في التطور عند عبدالوهاب».

وقال عن عبدالوهاب انه «كان قد غادر المدرسة الابتدائية ليعمل في تياترو فوزي الجزائري او في سيرك بدمنهور ولينام في حظيرة الحيوانات أو ليسافر مع «نجيب» الريحاني الى حيفا ويافا وبيروت، حيث ينام مع بديعة مصابني في غرفة واحدة وفي حضنها، إلى أن التقى وهو في سن مراهقته وفي مثل فقره الثقافي بشاعر كبير أعجب به فاحتضنه ورعاه ونمّى في ذاته بذرة الثقافة حتى اصبح مع الوقت مطرباً متميزاً بثقافته كثيرًا ما اختار النصوص التي غناها من خلال قراءته في الصحف والمجلات او في دواوين الشعراء، لولا شوقي لم يكن عبدالوهاب ما كانه في تاريخ الغناء والفن، وبطريقة من الطرق يمكن القول إن شوقي هو الذي صنع عبدالوهاب او جعل عبدالوهاب هذا المطرب العظيم الخالد في تراثنا الفني. ربى في نفسه عشق الكلمة. واذا كانت الموسيقى هي عشق

عبدالوهاب الأول، فإن الكلمة كانت عشقه الثاني».

ويؤكد فاضل في كتاب غرابة العلاقة بين شوقي وعبدالوهاب، نظراً لعمقها والأثر الذي تركته عند كل منهما. فمنذ أن تعرف إليه التصق كل منهما بالآخر، وظل الأمر على هذه الصورة الى أن رحل شوقي. واخر عبارة قالها شوقي لسكرتيره «احمد محفوظ» وهو على فراش الموت كانت عبارة «سلم لي على محمد».

واستطرد فاضل قائلاً: «لا ادري مدى الخبث في سؤال طرحه سعد الدين وهبة مرة على عبدالوهاب يمكن التماسه في الحوار الموسع الذي أجراه معه وصدر في كتاب بعنوان «النهر الخالد» ان سؤال سعد الدين وهبة لعبدالوهاب إن كان شوقي قد «أعجب بك أو لا كمغن» لا يمكن ان يكون سؤالاً بريئاً فالمفترض أن شوقي الشاعر أعجب بمغن هو محمد عبدالوهاب ولا شيء آخر لكن طرح السؤال يتضمن استفساراً ملتبسًا حاملاً أكثر من وجه».

وقال فاضل: «هناك خبثاء آخرون غير سعد الدين وهبة ـ إذا ثبت أنه من هؤلاء ـ غمزوا من هذه العلاقة «الصوفية» بين شوقي وعبدالوهاب، معتبرين أن عبدالوهاب الفتى الأسمر الجميل الصوت والملامح فتن شوقي فعشقه عشقاً روحياً او صوفياً غامراً، لكن من هؤلاء من وقف عند عبارة العشق من دون أن يضيف إليها؟».

طباعة