أبطال «السلوقي» الإماراتية أتمّوا استعدادهم لاختتام عروض المهرجان

«البندقية» السعودية تطلق التفاؤل بشباب «المسرح الخليجي»

«البندقية» تغلبت على مشكلات النص بأداء تمثيلي مميز. من المصدر

في توقيت أنهت أسرة مسرحية «السلوقي» التي تمثل الإمارات في مهرجان المسرح الخليجي المنعقدة دورته الـ11 حالياً بالدوحة استعدادها للعرض الختامي بسلسلة تحضيرات أخيرة، جاء عرض مسرحية «البندقية» في ثالث أيام المهرجان بمثابة طلقة فرح، لتأكيد أنه زمن شباب المسرحيين في ساحة أبوالفنون، وفي مختلف دول مجلس التعاون.

فلليوم الثالث على التوالي يستمر الحضور البارز لجيل جديد، معظمه يشارك للمرة الأولى في هذا المحفل، بل إن أبطال «البندقية» العمل الذي جاء ممثلاً للسعودية في المهرجان، أجادوا على نحو حاز تصفيق الجمهور عند كل مفرق تحول درامي في الأحداث، فضلاً عن لحظة إسدال الستار التي تحولت الخشبة بعدها إلى ساحة لتقبل التهاني بمولد ممثلين مميزين لا تتخطى أعمارهم الـ20 عاماً.

لا فرق على مستوى جودة الأداء وحرفيته بين الممثل الرئيس في «البندقية» وأداء كل فرد من أفراد المجموعة التي تكونت من أربعة أشخاص اتضح حسن استثمار المخرج سلطان النوه لإمكاناتهم الفنية، ورغم أن الشاب عبدالرحمن المزيعل الذي حصل على جائزة أفضل ممثل عن أدائه للمسرحية نفسها في مهرجان سعودي محلي، كان محور الأداء على الإطلاق، إلا أن الأداء الراقي لسائر الممثلين، والتوظيف الجيد للسينوغرافيا، والمؤثرات الصوتية والموسيقى، لعبت أيضاً دوراً رئيساً في تلاحم المتلقين مع الممثلين فوق الخشبة، فضلاً عن أن كلمات أغنية بعنوان «قتلتني بندقية» تتكرر لتغوص في أعماق الشخوص بصوت شديد الدفء قد أزكت أيضاً حالة هذا التلاحم الوجداني والفني.

عن البطل

بطل فارّ من عذابات الضمير بسبب جريمة لم تتحدد ملامحها في سياق افتتاحية العمل، يظل مطارداً من تلك العذابات التي تتحول إلى أشباح ووجوه ممسوخة تؤكد له دائماً أنها ستظل تسكن رأسه ما دام حياً، رغم أنها أحياناً تبدو جاهلة عن ماهية جرمه، إلا أن مشاعر الهروب والخوف التي تملأه تؤكد له أنه هارب.

وما بين لحظات الخوف من الأشباح والضمير التي تحولت لشخوص حقيقية بوجوه ممسوخة، ولجوء البطل إلى المونولوج للبوح الذاتي، أو الحوار مع الأشباح التي تحول كل منها إلى سجان، تتكشف أزمة هارب من صوت ضميره وصوت المجتمع، بعد أن قتل صديقه الوحيد وأفشى سره إلى أحدهم، لتزداد معاناته بين الضمير والخوف من افتضاح أمره، ليظل عائماً ومشتاً عبر أربع لوحات مختلفة، بذل المخرج مجهوداً كبيراً لوضعها في سياق عمل مسرحي لا يعتمد على نص يسهل التعامل معه إخراجياً لاقتراب تقتيات كاتبه عبدالعزيز جمعان فيه من أدوات وسياقات القصة القصيرة.

الأداء الجسدي للممثلين الأربعة (منصور الذكرالله وخالد الخيفة وعثمان الدحيلان وعماد البرية) بشكل خاص كان مبهراً وتمكنوا مع مزيعل من رسم لوحات مشهدية دقيقة، وبأجسادهم بدوا كأنهم يعبرون في بحر متلاطم الأمواج، بل وتمكنوا في اللحظة نفسها من إشعار الجمهور بأن ثمة هدوءاً للأمواج على نحو يبتعد عن سذاجة المشهد المألوف درامياً، بحيث يسهل على أقصى متفرج الإحساس بتبدلات قدرتهم على الحركة والتقاط الأنفاس طبقاً لتغير أحوال البحر.

وفي لوحة أخرى نجح الممثلون في إقناع الحضور بأنهم محاطون بكرة من اللهب، تشوي جلودهم، وهي إحدى اللحظات التي اللتحم فيها المسجون النفسي البطل المحوري، مع سجانيه المفترضين وهواجسه وأشباحه وعذابات ضميره.

استبشار

لقاءات

يتحول بهو فندق الماريوت الذي يستضيف وفود مختلف الدول المشاركة في مهرجان المسرح الخليجي إلى ساحة لاجتماعات تلقائية، تبدأ مصغرة تقتصر على أعضاء وفد بعينه، وتتحول إلى موسعة بعد دقائق، وهو المشهد الذي يبدو في نظر الكثير من المسرحيين المهرجان الحقيقي للمسرح الخليجي الذي يكون المناسبة الدورية الوحيدة التي تجمع المنتمين إلى خشبته على اختلاف اتساعها وتنوعها بين الدول الست المشاركة.

رئيس الوفد الإماراتي الدكتور حبيب غلوم أكد أن المسرح الإماراتي الذي يحمل لقب الدورة الماضية كأحسن عمل متكامل، لا ينظر إلى الجوائز المهرجانية بقدر ما يهدف إلى حسن تمثيل الدولة، والمشاركة الفاعلة في أهم محفل خليجي مسرحي، وهو ما شدد عليه أيضاً رئيس جمعية المسرحيين إسماعيل عبدالله.

ورغم خليجية المناسبة فإن الكثير من القضايا التي تثار تلقائياً بين أعضاء الوفد الإماراتي تحيل إلى مسارح الدولة، لا سيما أن الوفد يشمل فنانين مؤثرين في الساحة المحلية مثل سعيد سالم، ومريم سلطان، وحسن رجب، وهدى الخطيب، ومحمد العامري، وآخرين شباب مثل جمعة علي، وعبدالله مسعود، وأمل محمد، وغيرهم.

عدد من أعضاء الوفد الإماراتي في لقطة جماعية بالدوحة.

الندوة التطبيقية أيضاً عكست عقب العرض حالة الاستبشار بقدرات فريق «البندقية»، إذ قال الدكتور فراج الشيخ الذي كان المتحدث الرئيس في الندوة، إنه أشفق كثيراً على مخرج العمل بسبب صعوبة تطويع هذا النص على خشبة المسرح، وحاجته إلى الكثير من الحلول الإخراجية، فهو يبدو قصة مألوفة لرجل مهوّس يرتكب جريمة، أو هكذا خيل إليه ليقع فريسة لإشكالية إفشاء السر لأحد المقربين، ويظل هوسه مرافقاً له على اختلاف أماكن وجوده.

وتساءل الناقد الشيخ الفرازي عن مشروعية أو مدى إمكانية تحويل «كلام عادي»، على حد تعبيره، إلى نص أو لغة مسرحية، لكنه توقف عند قدرة مخرج العمل على تحويل «هذا الكلام» إلى فعل مسرحي نابض بالحركة والأداء الفني الجيد، وابتعد بالنص كثيراً عن حالته الأولى بفضل حنكته الإخراجية.

رغم ذلك لم تسر الندوة التطبيقية خالية من الانفعال والانحياز السلبي لوجهات نظر معينة سعى أصحابها إلى مصادرة سائر الآراء، لكن كثيرين أكدوا على خصوصية تجربة «البندقية» في المسرح السعودي، فيما أشاد البعض بالتأثير الإيجابي للإصدارات المسرحية السعودية، خصوصاً في تنشيط الحراك المسرحي هناك، وذهب الكثير من الثناء أيضاً لأداء الممثلين الذين انسجموا مع الرؤية الإخراجية للعمل، وساعدوا على توظيف فنياتهم لخدمتها.

وتلقى مدير إدارة المسرح بوزارة الثقافة السعودية ورئيس الوفد السعودي عبدالرحمن الرقراق تهنئة الكثير من المسرحيين والنقاد ومتابعي الحركة المسرحية السعودية على العرض، وقال الرقراق ان المسرح السعودي يمر بمرحلة مهمة في مسيرته الفنية يسعى من خلالها إلى تأكيد حضوره خليجياً وعربياً، واعداً بأن يكون هناك تصاعد في المشاركات السعودية في مختلف المحافل المسرحية المقبلة على المستوى الفني واستثمار حالة التألق المسرحي في المملكة بشكل يمثل إضافة حقيقية للمسرح الخليجي بصفة عامة.

طباعة