أمسية للسورية وعد بوحسون والمغربية عائشة رضوان على مسرح أبوظبي

أغنيات صوفية ومقامات في «أنغــام مـن الشــرق»

المغربية عائشة رضوان استهلت مشاركتها بابتهالات. من المصدر

أمسية طربية نسائية ومثقفة، هكذا جاءت الأمسية قبل النهائية، أول من أمس، في مهرجان «أنغام من الشرق» الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، على مسرح أبوظبي، اذ قدمت الأمسية تجربتين متميزتين في عالم الطرب والموسيقى العربية الأصيلة لكل من الفنانة السورية وعد بوحسون والمغربية عائشة رضوان، أثبتتا أن هناك أصواتاً وتجارب نسائية في الوطن العربي تمتلك من الوعي والجدية ما يؤهلها لأن تكون حارسة للتراث والفن الأصيل في زمن ساد فيه الفن التجاري والاستهلاكي.

تراث

وحيدة؛ فقط مع عودها، احتلت الفنانة وعد بوحسون خشبة المسرح لتقدم بصوتها الواعي المثقف مجموعة من القصائد في العشق والصوفية، وفي أعقاب كل قصيدة منها وقبل القصيدة التالية كانت تنحني برفق على عودها لتعدل أوتاره في حنان وخبرة، ومن القصائد التي قدمتها «أغار عليك من عيني»، و«يا واهب سلطان سر العالمين»، و«بسم الإله سبب الأسباب»، في حين اختتمت فقرتها بقصيدة «أدين بدين الحب».

وعد بوحسون أشارت إلى أنها تسعى من خلال ما تقدمه من فن إلى إعادة تقديم التراث العربي الأصيل، «حيث كان من المتعارف عليه وجود (مغنيات) في مجالس الخلفاء، وكن يتمتعن بمكانة رفيعة، مثل ولادة بنت المستكفي التي كان مجلسها مقصداً للعلماء والمفكرين، هذه الصورة عن المرأة في التاريخ العربي توارت حاليا وأحاول إعادتها إلى الأذهان من جديد من خلال تقديم أشعارها وقصائد كبار المفكرين العرب أمثال ابن الرومي وابن عربي وابن زيدون». لافتة إلى أن «التراث يتضمن العديد من المدارس الفنية التي يمكن أن ينهل منها كل فنان ما يناسبه في سبيل إحياء التراث والحفاظ عليه، دون أن يتشابه مع غيره من الفنانين».

الجزء الثاني من الأمسية كان موعداً مع المقامات الشرقية الأصيلة، وصوتاً متفرداً للفنانة المغربية عائشة رضوان وفرقة «تخت الأدوار الموسيقي»، التي أسستها مع الموسيقي اللبناني حبيب يمين عام .1991

رضوان.. وفنون المقام

بدأت رضوان إطلالتها على الجمهور بابتهال ودعاء لله ذكر الحضور بأساتذة الابتهالات الدينية في العالم العربي، قبل أن تعبر، باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، عن سعادتها بالمشاركة في مهرجان «أنغام من الشرق»، الذي يمثل مبادرة مهمة لدعم ونشر والحفاظ على التراث العربي.

من جانبه تحدث الموسيقي حبيب يمين عن فرقة «تخت الأدوار الموسيقي»، مشيراً إلى أنه يضم مجموعة من الأصدقاء من بلدان عربية مختلفة، وهم صفوان كنانة من فلسطين على آلة الكمان، وصلاح الدين محمد من مصر على القانون، نبيل عبدالمولى من تونس على الناي، وتمام المكاري من لبنان على العود، وحبيب يمين على الرق. معتبراً أن التخت جاء تعبيراً عن التقاء أعضائه حول هدف واحد هو المحافظة على التراث وأسلوب المقام الشرقي، وهو أيضاً الهدف نفسه الذي يسعى إليه مهرجان «أنغام من الشرق».

وعلى مدى ما يقرب من الساعة والنصف، قدمت عائشة رضوان ألواناً من فنون المقام الشرقي، حيث انقسمت الفقرة إلى قسمين؛ الأول قدمت فيه بعضاً من تراث المقامات الشرقية في عصر النهضة، وجاءت الوصلة الأولى منه على مقام سيكا، لتقدم مقطوعة موسيقية ثم موشح «أنا من وجدي»، تبعته قصيدة صوفية لسيدي ابومدين الغوث، كما قدمت من ألحان الشيخ أبوالعلا محمد وكلمات البهاء زهير «غيري على نسياني قادر».

بينما قدمت في الوصلة الثانية، وعلى مقام نهاوند، دور «كادني الهوى» لمحمد عثمان، الذي تجلت فيه إمكانات الفنانة الصوتية، التي أبهرت الجمهور، خصوصاً في جملة «أنا للحسن ده بالطبع أميل، وده شيء بالعقل»، التي استعرضت فيها فنون المقام الشرقي وطبقاته وألوانه، وتنقلت في هذه الجملة، على مدى 20 دقيقة، بصوتها من القرار إلى الجواب، وبين الأداء بصوت ضاحك مرة، وبصـــوت تهدج بالبكاء مرة أخرى، وغير ذلك من طبقات صوتها المتفرد لتعيد نوعاً من الفنون الشرقية لم يعد يقدمه أحد على المسرح إلا نادراً.

القسم الثاني من الفقرة، قدمت خلاله رضوان مقطوعات من ألحانها وألحان حبيب يمين، بأسلوب المقام أيضاً، لقصائد لرابعة العدوية، وأخرى لابن الفارض من أشعاره «شربنا على خمر الحبيب»، ومن هذه القصائد «ورحمتاه للعاشقين»، و«الشوق شوقي والغرام غرامي»، و«يا سروري» التي ختمت بها الحفل وسط تصفيق الجمهور، الذي ظل موجـداً في قاعة المـــسرح، التي نزلت إليها رضوان أيضا لتتبادل مع افراد الجمهور الحديث، حيـــث اجمع الحضور على أن ما تقدمه من فن لم يعد هناك من يقدمه، او يمتلك الإمكانات الصـــوتية والوعي بالتراث وفنونه ليقدم هذا لنوع. في حين استعار البعض وصـــف بعض المؤرخين صوت كوكب الشرق أم كلثوم بالماء الغزير الذي يتـــدفق من صنبور دون توقف أو انقطاع، باعتبار هذا الوصف ينطبق أيضاً على صوت عائشة رضوان.

طباعة