طهاة: الأطعمة تُشبه أوطانها

مهرجان أبوظبي لفنون الطهي ملتقى لخبراء في الطعام من دول مختلفة.             تصوير: إريك أرازاس

أكد طهاة أن الأطعمة تشبه أوطانها، وأن وصفات الأكلات تحمل جزءاً من ثقافة الشعوب التي أعدتها، مشيرين إلى أنه على الرغم من اختلاف موائد الطعام والتذوق حول العالم إلا أن الطباخ الماهر يستطيع إضفاء لمسة خاصة على وجبته، بحيث تتماشى مع أناس كثيرين حول العالم، ويصير طعمها مستساغاً لدى أفراد مختلفين من جنسيات عدة. وأضاف غالبية الطهاة الذين التقتهم «الإمارات اليوم» على هامش فعاليات الدورة الثانية من مهرجان فنون الطهي في ابوظبي الذي اختتمت فعالياته أخيرا، أن الأطباق المختلفة تعرف بجزء من تقاليد بلدانها، وتقرب الأفراد الذين يتناولونها بطابع تلك الأماكن وثقافاتها، لافتين إلى ان الفرد من الممكن ان يستثمر وجود مطاعم متنوعة عدة في وطنه كي يتعرف الى بعض تقاليد الامم البعيدة عنه.

وقال كبير الطهاة الالماني في فندق ونادي ضباط القوات المسلحة ارنست لوثر فرانك: «عملت في بلدان مختلفة ومتنوعة في عاداتها وتقاليدها الاجتماعية، من الفلبين الى كوريا الجنوبية واثيوبيا وسويسرا والصين ومصر وغيرها، ولاحظت ان الطعام يعتبر جزءا من التقاليد الشعبية التي تقدم على اساس فلكلوري»، مشيرا إلى أن الطاهي المتمرس وخصوصاً الذي جاب مدنا مختلفة حول العالم عليه ان يحترم عادة وتقاليد البلد الذي يعمل فيه مع اضافة بعض لمساته التي تعطي نكهة عالمية للطبق التقليدي، بحيث يتقبله الآسيوي والإفريقي والهندي والعربي والاوروبي.

وأضاف فرانك ان «الامر لا يتعلق بالطعام فقط بل يتعداه لتعلم وتذوق ثقافة جديدة، فعندما تزور مطعماً تركياً، فإنك تستمتع بالثقافة التركية، وفي مطعم برازيلي، تستمتع بالثقافة البرازيلية، وبعد أن تستمتع بتذوق تلك الأطباق المختلفة والأطعمة التي تقترب من ثقافات بلدانها، فإن جزءاً من جسمك يكون قد اتجه بالفعل ناحية المكان الذي ربما لم تزره من قبل».

وصنّف الطاهي التنفيذي الفرنسي في فندق ياس دانييل نوس، تقاليد ومفهوم الطعام الى فئتين «الماضي والحاضر»، موضحاً «فالماضي يرتبط به الكثير من الناس، ويعتبرونه جزءاً من تقاليدهم، ويجب عدم المساس به، لكن الذكاء يجب ان يتوافر لدى الطاهي في كيفية صناعة اطباق قديمة بروح معاصرة، وإحداث تناغم بين القديم والجديد في اضافة نكهة معاصرة لا تتجاوز اطار مكونات الطعام الاساسية، وهنا لا نكون قد تجاوزنا تقاليد البلد ويبقى الطبق منتمياً الى ثقافة وطنه الأصلية».

 

حقيقة

يرى كبير الطهاة الياباني ماسايا ياسونيمورا، الذي حل ضيفاً في فندق ياس أن الاختلاف الكبير بين الناس حول تذّوق نوع ما من الطعام أوالشراب، يعود الى اسباب متوارثة واخرى جينية، فهناك من يستمتع بنكهة المرارة الجزئية مثل الموجودة في القهوة، أو من يُفضل الطعام اللاذع بالفلفل، ومن لايستطيع مجرد لمسه. ويوضح ياسونيمورا المشهور بأطباقه الفرنسية المطعمة بلمسات يابانية أن «بعض الناس، وبناء على دراسات كثيرة اجريت حول الموضوع، يولدون بجينات تضاعف عدد خلايا التذوق في اللسان، ويكون إحساسهم بالمرارة أو الملوحة أوالحلاوة أشد من غيرهم، وعند تذوقهم لأي شيء يحمل طعم المرارة، يبدو لهم شديد المرارة، بينما يراه غيرهم خالياً منها، والأمر نفسه ينطبق على نكهة الطعام اللاذع»، مشيراً إلى أن «هناك افراداً يكتسبون عاداتهم الغذائية من خلال عائلاتهم وطريقة الطبخ التي تقصدها الام، ومن هنا تبدأ الذائقة بالتشكل، وهناك ايضاً عادات خاصة ببعض القوميات فنجد قومية معينة تحب لحم الضفادع ولحم الخيول، في المقابل نرى من يشمئز من الفكرة نفسها».

الطعام يحمل جزءاً من ثقافات الشعوب الإمارات اليوم
استحضار الجديد

وأكد كبير الطهاة في فندق فور سيزونز في اسطنبول محمد جوك، الذي يحمل شعار «الابداع بالمكونات المتاحة» أن الطعام جزء لا يتجزء من ثقافة الشعوب، «ومن يرد ان يعرف الطابع العام لاي شعب فليتذوق طعامه، فبلاد الشام وتركيا اللتان تتجاوران تشتهر تربتهما الخصبة بإنتاج اشهر انواع الخضراوات والفواكه، وهذه التربة تشبهنا كثيراً فصفاتنا متنوعة وجميلة ومحبة للحياة والفرح»، مستطرداً «اذا انتقلنا الى آسيا التي تشتهر باطباق الارز فطبيعة طعامها تشبه الهدوء العام الذي نستشعره حين نشاهد كثيرين من أفراد بلاد معينة في آسيا».

وقال جوك ايضاً، وهو الذي قصد مناطق عدة من العالم ليكتسب على حد تعبيره ذائقة عالمية، «المطلوب منا ان نستحضر الجديد من خلال المكونات المتاحة، والتي يجب ان تحافظ على عراقة المكان الذي امتدت منه الأكلة، وهذا هو سر الوصفة الذي يميز طاهياً عن غيره».

أما بالنسبة للشيف الكندي جون كوردو، من فندق فيرمونت باب البحر فقال إن «الاضافة مطلوبة لتسويق طبق ما عالمياً، فعند تقديم طبق هندي على سبيل المثال والذي يعرف ببهاراته الصارخة، يجب ان نحترم ذائقة الشخص غير الهندي، لكن ليس بتغيير اساسيات الوصفة، بل بسؤالنا للزبون عما يريد إضافته على الوصفة، او من خلال تقديم الطبق دون بهارات ووضعها جانباً كي نرضي ذائقة الجميع».

واعتبر الطاهي براي كوردو، أن أطباق الطعام ثقافة ذات خصوصية «ولكننا يجب ان نكون مبتكرين وخلاقين في كيفية اضافة وإزالة المكونات من دون تشويه مكونات الطبق نفسه».

ذائقة

وقال الطاهي البريطاني غاري روبينسون، من فندق شانغريلا قرية البري والذي يلقب بالطاهي الملكي لعمله طاهياً شخصياً لامير ويلز طوال سبع سنوات: «بدأت حياتي المهنية في هونغ كونغ، وهي مدينة عريقة تعتز باطباقها ونكهات الطعام التي تستخلصها من ارضها، وشعرت بأن هذه القاعدة الاساسية التي يجب ان اسير عليها لاصبح طاهياً عالمياً»، موضحاً «فالحفاظ على المكونات الاساسية مهم جداً، لكن لا يضر اذا ما قمنا باضافة ذائقتنا الخاصة الى تلك المكونات التي من الممكن ان تسهم في انتشارها حول العالم»، فـ«عولمة الاطعمة»، حسب تفسير روبينسون تنطلق من اللمسة الخاصة بكل طاهٍ «من الممكن ان اكون في الهند وأقدّم طبقاً عربياً فيه النكهة اللاذعة التي يحبها الهنود بشكل عام». ويرى الطاهي الفرنسي ريي ماركون، ان نشر الأطباق عالمياً يتعدى مسألة اضافة النكهات الخاصة فقط، الى طريقة التقديم نفسها، فاستخدام وسائل التقديم التي تنتشر حول العالم مثل الفخار والجرار وورق شجرة الموز واليقطين والخبز الفرنسي وغيرها عناصر اساسية في طريقة التقديم، تعطي لمسة عالمية، مضيفاً «فلا ضرر بتقديم شوربة العدس بطبق من الخبز الفرنسي المعروف بتماسكه، أو ان نقترح على الزبون ان يجرب أكلة معينة مغمورة في جرة فخارية»، مختتماً بقوله: «بهذه الطرق واضافة الى اللمسة الخاصة من الشيف نستطيع ان نقول إننا عولمنا الطعام».
طباعة