ظاعن شاهـين يفاجـئ الشــــــــعر بـ «زهيريات إماراتية»

ظاعن شاهين حرّض جمهور الأمسية على إلقاء الشعر. تصوير: غلام كرغار

لم يكن المساء الشعري الأسبوعي الذي حولته، أخيراً، ندوة الثقافة والعلوم إلى «الأربعاء» تقليدياً هذا الأسبوع، ليس فقط لأن صاحب التجربة الشعرية فيها أحد رموز الساحة الإعلامية الإماراتية بكل ما تحرض عليه تجارب شعراء صاحبة الجلالة لقراءة مختلفة في عوالمهم، بل لأن رئيس تحرير جريدة «البيان» الزميل ظاعن شاهين اختار أن يفاجئ رواد الصالون الأدبي بفن شعري شاع خليجياً من دون أن يكون له اي وجود على الساحة الإماراتية، وهو فن «الزهيريات» نسبة إلى الموال الزهيري الذي ارتبط بشكل خاص بإنشاد البحارة، سواء للشد من أزرهم أثناء أدائهم مهام عملهم اليومي، أو للتنفيس والترفيه عنهم في أوقات الراحة.

شاهين الذي نجح في صنع حالة من الشجن والاستئناس بالشعر بين رواد الأمسية، نجح أيضاً في مد الحضور بمعلومات وافية عن «الزهيريات» بشكل عملي، بعدما انصهروا في موسيقاها الشعرية وقالبها الفني المعتمد على أبيات خماسية وسباعية توحد بينها لفظة متكررة تحمل في كل مرة دلالات مختلفة، على نحو جعلهم يسعون إلى استنباط اللفظة في ذات توقيت نطق الشاعر لها، في حين أن شاهين كان ينتظر في كثير من مفاصل قراءاته أيضاً استنباطات الحضور دليلاً على انسجامهم التام معه.

على الرغم من ذلك لم تكن «الزهيريات» هي كل شيء في تلك الأمسية، حيث أتبعها شاهين بقراءة نماذج من شعره الغنائي، في اختيار تناسب مع الحميمية التي ولدتها معاني «زهيرياته»، التي تناولت الكثير من المعاني الإنسانية بأسلوب غلب عليه البوح، والشكوى التي تصل إلى حد الأنين أحياناً، فيما كان قالب الشعر الغنائي بأدواته المعروفة هو الأنسب لنثر مشاعر العشق والمقولات الغزلية، فيما كشف شاهين لـ«الإمارات اليوم» عن أنه بصدد ترجمة بعض نتاجاته الشعرية في مجال الشعر الحر إلى الإنجليزية.

وأشار إلى صعوبة الحفاظ على الوزن والقافية في ما يخص ترجمة الشعر العمودي إلى اللغات الأجنبية، موضحا ان الشعر الحر فهو الأنسب دائماً للترجمة بين اللغات المختلفة.

استثنائية الأمسية الشعرية لم تكن محفزة فقط على تذوق إبداعات فارسها، بل دفعت الكثير من الحضور إلى التقاط ميكروفونها لإلقاء قصيدة من معين الذاكرة كما في حالة الشعراء شيخة المطيري وسميرة السامرائي ومحمود نور الذي دلف في قصيدته إلى عشق دبي وبعض سمات باني نهضتها الحديثة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشاعر علي الصايغ الذي قدم نماذج من أشعاره، فيما ذهب ابراهيم بوملحة لقراءة قصيدة مطلعها :

إمارات أرض المنا والهنا
وأرض المحبة والسؤدد

أما المفاجأة الشعرية في ما يتعلق بالحضور فكان الفتى اليمني أيمن المصعبي، الذي قال لـ«الإمارات اليوم» إنه دُعي إلى الدولة للمشاركة في مهرجان الشارقة القرائي، فقد استغرب الجميع استلامه ميكروفون الإلقاء قبل أن يحيل مشاعر الاستغراب إلى إشادة بموهبته الفطرية وخصوصاً عندما تعرّض في أبياته لقضايا كبرى مثل المرأة وفضل العلم، قبل أن يختتمها بتحد طريف لجموع الشعراء بالمنافسة الشعرية لأن «الشعر ملكه والخطابة مهنته»، حسب تعبيره.

الأمسية الشعرية التي قدم لها علي عبيد بحديث مختصر عن «فن الزهيريات»، مشيراً إلى أن شاهين هو فارسها الإماراتي الأول، بدأها شاهين بقراءة:

ما تم لي صاحب عقبك أبد ما تم
بعدك طويت الورق وفصلك نقص ما تم
الناس ترقص فرح وعنهم أنا أفماتم
يلي رحلتوا، غصب القلب تابعكم
مهما فعلتوا.. ترى روحي تتابعكم
أخذوني سابق لكم، حسبوني تابعكم
بارض خلت منكم حلفت أنا ما تم

وبقراءة تواءمت مع معانيها نبرة الإلقاء ومواضع الوقف والمواصلة في الإنشاد، وإيلاء عناية خاصة للألفاظ المتطابقة بغرض لفت انتباه المتلقي إلى التباين المعنوي المشابه لجماليات التورية في الشعر التقليدي، بدأ الحضور استكشاف خصوصية «الزهيريات»، قبل أن يستكمل شاهين بـ«مر يوم» ملقياً :

حبك شعل داخلي وقلبي تمرمر يوم
واعدتني نلتقي، وعلى الوعد مر يوم
مر يوم كنه سنة.. فرقاك يا مر يوم
ماريد غير الوصل واحظى بلقياكم
يا كم قلبي انفطر، وياكم صبر ياكم
عيد الفطر شوفتك لو نلتقي وياكم
راع الهوى مبتلي يومن حلو ومرّ يوم

لكن شاهين عمد بعدها لقصائد لوحظ في عناوينها الميل إلى المفردة الواحدة وغير المعرفة بشكل خاص، وكأنها إشارة إلى عمومية المشاعر الإنسانية التي يتطرق إليها في «زهيرياته»، مثل قصائد «أصناف»، «دم»، «واحد»، «ذهب»، «غالي»، «جاري» التي مطلعها «شوقي نثرته مطر وحبي نهر جاري»، وقصيدة «جاني» التي بدأها بـ «لي صاحب يا حمد لو موصله جاني»، ليلفت في باقته الشعرية كثرة ورود لفظة «صاحبي، وصويحبي»، أو استبدال بهما في قصائد أخرى مسمى صريح مثل «خالد» الذي كان عنواناً لأخرى مطلعها :

«يا خوان يبقى الشرف ألنا بلقى خالد
خالد كريم الفعل واصله بعد خالد
اسم أصيل وذكر ما ينكسر، خالد»

لكن معاني «الزهيريات» في الأمسية لم تقف أيضاً عند حدود شكوى الأحباء والخلان، بل تطرقت أيضاً إلى معانٍ وطنية كما في «عشق» التي حملت صورة شعرية جديدة تتجاوز عشق الوطن إلى عشق المخلصين في عطائهم له:

أعشق تراب الوطن ومن يعشقه اهواه
وآحن له افساعتي إذا تركته.. آه
هذا الوطن عزتي روحي ودمي ماه
أصرخ وكلي فخر انا إماراتي
دبي والشارجه، أهلي وإماراتي
الكل يغني فدا، وتبقى الإماراتِ
موال عشق وفرح من شافها قال آه

الانتقال إلى قراءات من شعره الغنائي مثّل مرحلة مختلفة في الأمسية التي احتضنت جانباً من إبداعات شاهين، اكتست حسب طابع القالب الأدبي بالذاتية، كما في «تسأليني» التي بدأ بها قراءته في ختام الأمسية :

تسأليني ليش أحبك
وليش أنا مهتم فيك
ما قريت في عيوني
أنّي متولع وابيك
ما قريت في خطوط الكف
انّي ملك إيديك
وأنك انتي لوخّتفيتي
عن عيوني
قلبي يقوله عليك
حضور مختلف

حميمية وخصوصية تذوق الشعر حاضراً على لسان مبدعه في عودة ظاهرة الصالونات الأدبية إلى «ندوة الثقافة والعلوم»، وتبدل المساء الشعري من السبت إلى الأربعاء الأكثر مناسبة بطبيعة الحال لجمهور التذوق الأدبي، فضلاً عن اختيار إدارة الندوة أسماء أدبية يشكل نتاجها ظاهرة تحث على المتابعة، كلها عوامل فرضت حضوراً مميزاً للقراءة الشعرية التي قدمها رئيس تحرير «البيان» ظاعن شاهين أول من أمس. شاهين الذي تشمل مكتبته الإبداعية في مجال الشعر ثمانية دواوين، شكّل حلوله ضيفاً على أمسية شعرية مفاجأة إعلامية في المقام الأول قال عنها لـ«الإمارات اليوم»: «قد أكون محتجباً عن الأمسيات الشعرية لكنني لم أنقطع أبداً عن الإبداع الشعري».

وفي ما يتعلق بسبب لجوئه إلى قالب «الزهيريات» قال: «هو قالب شعري يحمل عبر موسيقاه وأوزانه الخاصة مقومات استساغته»، نافياً حصره في أغراض شعرية بعينها، لافتاً أيضاً إلى جدوى التنويع في الشكل الشعري بكل ما يجلبه هذا التنوع من إثراء للنتاج وكسر لرتابة التقليد.

طباعة