«عسل».. تركي يخفّف مرارة «الصيّـاد» الإيراني

فيلم «عسل» حافل بتفاصيل طفولية وحبكة بصرية ممتعة.                    آوت ناو

المنطق الوحيد المتحكم في وجود الفيلم الإيراني «الصياد» لرفيع بيتس في مسابقة الدورة الـ60 من «برلين السينمائي» هو السياسة، وبمعنى أدق مواكبة السينما للأحداث السياسية الأخيرة في طهران، لا بل إن الإقبال الكبير على مشاهدة هذا الفيلم تأتي من هناك، ولتكون النتيجة مخيبة جداً. وفي جانب آخر ولدى الحديث عن فيلم إيراني، فإننا سنستحضر في الحال تاريخاً كبيراً ومشرقاً لهذه السينما، وأسماء كبيرة توالت على مسابقة المهرجان، لا بل وفي الطريق إلى «برلينال بلاتز»، المركز الرئيس لعروض المهرجان، ستصادفك صورة كبيرة لعباس كياروستامي، ما يستحضر أيضاً أسماء إيرانية كبيرة في السينما العالمية مثل مجيد مجيدي ومحسن مخملباف وآخرين.

وإن كنا بدأنا مع السياسة فإن فيلم «الصياد» عاجز أيضاً عن تمرير رسالة سياسية على قدر ما من الأهمية، حيث إن العجز يطاله أيضاً من الجانب الذي من المفترض أن يشكل رهاناً عليه، فالفيلم أولاً وأخيراً عبارة عن تسجية للوقت في شوارع طهران، وقد احتلت المشاهد الخارجية أكثر من ثلاثة أرباع الفيلم، ولا أعرف إن كان في ذلك فضيلة تطال المشاهد الغربي المتعطش لرؤية هذه المدينة من الداخل، والتي تحتل أخبارها نشرات الأخبار ومعها برنامج إيران النووي.

يروي فيلم رفيع بيتس قصة رجل صياد «جسد الشخصية رفيع بيتس نفسه»، نجده يتنقل من غابة إلى أخرى، ويعمل حارساً ليلياً في معمل لصناعة السيارات. هذا الرجل متزوج ولديه ابنة، وبعد مد وجزر وتطواف على غير هدى في شوارع طهران في السيارة أو مشياً على الأقدام، تندلع المواجهات التي شهدتها طهران بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، ونسمع ما يتردد في الفيلم كهتاف «يسقط الديكتاتور»، لكن من دون أن نرى أي تجسيد للمظاهرات، ومن ثم تتأخر زوجته وابنته في العودة إلى البيت، ويطول زمن انتظاره لهما، إلا أن يعرف أن زوجته لقيت حتفها برصاص الشرطة أو المتظاهرين كما يقول له الضابط، بينما يبقى مصير ابنته مجهولاً، وليعرف بعد تمضية وقت لابأس به وهو يبحث عنها في المستشفيات والمدارس وما إلى هنالك بأنها لقيت مصير أمها.

يتحول الصياد إلى صياد لرجال الشرطة، يقف على تلة مرتفعة ويقنص سيارة شرطة ويقتل من فيها، ومن ثم تبدأ قصة ملاحقته، ولنمسي أمام فيلم ثان له أن يحمل رمزاً مستهلكاً وممطوطاً عن صراع الأخوة، فساد الأول وصلاح الثاني، وذلك بعد ملاحقة رجلي شرطة للصياد، وتنازعهما في ما بينهما، إلى أن ينتهي الفيلم بمقتل الصياد.

«عسل»

نكتفي بهذا القدر من فيلم «الصياد»، الذي كان في متابعته كاملاً مشقة ما بعدها مشقة، وننتقل إلى فيلم له أن يكون على النقيض منه، ألا وهو فيلم (la) «عسل» للتركي سميح قبلان أغلو، الذي يستكمل من خلاله ثلاثية «يوسف» التي بدأها يفيلم حمل عنوان «بيض» واتبعها عام 2008 بـ«حليب» ولنكون بصدد «العسل» الآن، وهو مصرّ في أفلامه الثلاثة على عدم استخدام الموسيقى التصويرية، والالتصاق بالمكان واستحضاره كما هو محمّلاً بقدر هائل من جمال الطبيعة، وتقديم ما يصفه بـ«أصول الروح».

فيلم «عسل» مبني بحنكة بصرية، ويأخذنا من أول لقطة لها أن تكون على قدر كبير من الطول، ونحن نرى يعقوب وحصانه يأتيان من بعيد ومن بين الأشجار، ولتقطع اللقطة مع بدء يعقوب تسلق شجرة عالية، سرعان ما يبدأ الغصن الذي علق عليه الحبل بالتكسر، ولندعه وهو معلق بين الأرض والسماء بانتظار ما سيقرره الغصن. ولننتقل إلى يوسف ابن يعقوب، وهو يروي لوالده حلماً رآه، بينما يسأله والده ألا يرويه بصوت عال بل يهمسه في أذنه، وليخبره الأب بعد ذلك بألا يخبر أحد عنه.

وهكذا نمضي مع يوسف وهو يرافق والده، حيث ان يوسف يبقى صامتاً طوال الوقت ما لم يتكلم مع والده، حيث يتخاطبان همساً وعلى نحو دائم، وفي مسار مواز نتعرف إلى عالم يوسف في المدرسة، وحين يحاول القراءة فإن المعلم يختار له قصة لا يكون مستعداً لها، حيث إن كلماته لن تخرج إلا متلعثمة.

تفاصيل طفولية بديعة، عوالم مسكونة بالعسل والأشجار والطيور، وحدة يوسف المحتشدة بالمعاني والتخلي عنها فقط مع أبيه الذي يصنع له مركباً شراعياً خشبياً قبل سفره هو الباحث عن العسل في مناطق أخرى، ومن ثم مصير والده الذي يكون معلقاً على غصن شجرة، والذي ينتهي به الفيلم ومعه حلم يوسف نفسه.

يصلح فيلم «عسل» لاستعادته لقطة بلقطة، ومحاولة كتابتها تحت تأثير سحر جماليات العوالم التي يقدمها والتي تمتد لتشمل أم يوسف وجدته، وكيف يسمع قصة الاسراء والمعراج وغيرها من بانورما جمالية لحياة طفل بعينين مفتوحتين على اتساعهما ليلتهم بهما العالم.

«أعط من فضلك»

خارج الطفولة وإلى مراحل عمرية أخرى لشخصيات كثيرة ننتقل إلى فيلم أميركي عرض في البرنامج الرسمي للدورة الـ60 حمل عنوان Please Give (أعط من فضلك)، الذي جاء في قالب متشابك من العلاقات الانسانية ولكل شخصية من شخصيات الفيلم أن تقول الكثير ودائماً من خلال مرحلتها العمرية، إنه فيلم عن الجيران، عن امرأة تسعينية لها حفيدتان، الأولى خيرة والثانية شريرة، وليصح هكذا وصف بمنطق الفيلم نفسه، إنهم جيران العائلة الرئيسة في الفيلم، الأب والأم يعملان في بيع الأثاث، لكن أي أثاث؟ إنه ذاك الذي يشترونه من ورثة بيوت أصحابها، ثم يبيعونه بأثمان مضاعفة، الأم مسكونة بروح الخير والعطاء مع شعور دائم بالذنب وهي تمنح كل من تصادفهم من متشردين مالاً، بينما الأب يخوض غمار خيانة زوجية مع جارته التي تعمل في عيادة للتجميل، وتأتي ابنتهما استكمالاً للمراحل العمرية للشخصيات كونها في الخامسة عشرة من عمرها، وكل ما تتوق إليه شراء بنطال «جينز» ترفض أمها شراءه لها لأنه غالي الثمن وتعتبره تبذيراً، دون أن تتردد الأخيرة أمام منح متسول مبالغ كبيرة من المال. فيلم «أعط من فضلك» كأفلام أميركية من فصيلة «جونو» و«ميس ليتل صن شابن» يمتلك فسحة ترفيهية ومقولات مبنية بسلاسة وتدفق تحمل كل شخصية على حدة، وتتضح من خلال ما تواجهه ووفقاً لحبكة الفيلم، والرهان كل الرهان على العلاقات الانسانية، على الموت والحياة، والشباب والشيخوخة، وبالتأكيد الحي والصداقة.

طباعة