حكايا عشق غير تقليدية

مي زيادة وجبران.

جبران ومي، غسان وغادة السمان، بلقيس ونزار.. ثنائيات جمعت بينها حكايا حب غير تقليدية، قفزت على المألوف والعادي، وبقيت أمثولات حية في تاريخ المشاعر العربية في العصر الحديث، رغم أن بعضها لم ينكشف سحره إلا بعد رحيل أصحابه، إذ بقيت تفاصيله، حبيسة رسائل مجهولة إلى أن كشف عنه أحد طرفي علاقة نمت بين أدباء ومثقفين لهم أحاسيس خاصة.

فبداية جسدت الرسائل بين الأديبين جبران خليل جبران ومي زيادة، حباً وصف بالسماوي، ورسائلهما التي استمرت منذ عام 1911 حتى رحيل جبران عام 1931 لايزال تأثيرها قائماً، ولابد لها أن تكون رسائل من غيم، خصوصاً عند تذكر أن الأديبين لم يريا بعضهما بعضاً.

وتعتبر رسائل الأديبة مي زيادة للأديب والفنان والنحات اللبناني جبران خليل جبران أيقونة في عالم الأدب والفلسفة ايضاً، وبعيدا عن تقديم اشارات نقدية من كتاب حاولوا ان يدمروا تلك الايقونة، كانت تلك الرسائل بالنسبة لزيادة زوّادة عاطفية متكاملة، إذ تقول في واحدة من رسائلها «سأبتسم في المرآة ابتسامتك! في حضورك سأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك! وفي غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك سأتصورك عليلاً لأشفيك.. مصابًا لأعزيك».

ولم تكن مي امرأة عادية، إذ امتزجت في ملامح شخصيتها الريادة الأدبية بالريادة الاجتماعية في بداية القرن الـ،20 لهذا كانت أولى خطواتها في هذا المجال هي الإقبال على التعليم والتفرغ للكتابة، ودفعها حبها للغة العربية إلى أن تفتح بيتها، بتشجيع من والديها، لرجال الأدب، فكانت تحاورهم وتستمع إلى إبداعاتهم في صالونها الذي كانت تعقده كل يوم ثلاثاء، ما أثر إيجاباً في عملها الصحافي والأدبي، فقد عملت مع أبيها في صحيفته «المحروسة» التي افتتحها في القاهرة، كل ذلك في زمن لم تكن المرأة العربية تجرؤ على الخروج من المنزل وحدها.

اما بالنسبة لجبران الذي عاش في الغرب، فكما يروي صديقه ميخائيل نعيمة عاش حياة منطلقة دون أي قيود، فعرف العديد من النساء، وطمح إلى أن يعيش حياة خيالية مع امرأة شرقية، تغذي إبداعه بنبض خاص، كانت هذه الازدواجية تريحه وربما مصدر إلهام له، في حين كانت العلاقة بالنسبة إلى زيادة حياتها بأكملها رغم أنها خيال أقرب إلى الحلم! فبدت كلماته تسري في عروقها لتمنحها دماء الحياة وألقها، لقد كانت زيادة ضحية علاقة رسمها الرجل كما يريد له طموحه الإبداعي بمعزل عما تريده المرأة أو تحلم به.

وربما الفراغ الذي خلفته كلمات جبران بعد وفاته في نيويورك هو ما أدخلها مستشفى الأمراض العقلية في بيروت، لم تصب مي بمس الجنون، وهو أمر لم يستطع من حولها ادراكه، فمي أصيبت بمس الوحدة بعد رحيل حبيبها جبران.

  

كنفاني.                السمان.

هوى وثورة
وعند ذكر الحب والثورة تقود الذاكرة العربية إلى رسائل الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني للأديبة السورية غادة السمان، في كتاب نشرته السمان تحت عنوان «رسائل غسان إلى غادة السمان»، تقول في مقدمته «هذه السطور التي أهداني إياها ذات يوم وطنيّ مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، أهديها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة، وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل ولكن سيظل يحزنهم مثلي أن روبرت ماكسويل دفن في القدس في هذا الزمان الرديء، بدلاً من أن يدفن غسان كنفاني في يافا».

ورغم مرور كل هذه السنوات على نشر الكتاب، ورغم كل ما قيل عن نرجسية وغرور السمان، إضافة إلى اتهام منظمة التحرير الفلسطينية لها بمحاولة تشويه ذكرى الشهيد الذي قضى في عملية للموساد الاسرائيلي في بيروت، إلا ان مشاعر كنفاني يطغى صوتها على الجميع. لكن المفاجأة حول العشق والثورة تجسدت بصورة أعمق في كتاب الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الصادر بعنوان «الثوار لا يموتون» الذي تضمن عدداً من رسائل حبش إلى زوجته وشريكة عمره هيلدا، فيقول في واحدة منها «في كل ساعة أنت معي.. أفكر في شعرك.. ابتسامتك أناقتك.. هذا هو القيد الوحيد الذي يقيدني الآن.. قيد مؤلم فعلا يا هيلدا، ولكني احبه وأريده.. وأكاد أكون مستسلما له».

 

الصحراء والهوى
لنمر بن عدوان قصة عشق مع زوجته وضحى، وصل صيتها الى المستشرقين الذين اجتهدوا في تجميع كل المعلومات عن ذلك العربي البدوي الاردني الذي جعل للصحراء طعماً خاصاً في حكايات الحب والعشق والرومانسية.

فابن عدوان الذي ولد عام 1745 وتوفي ،1823 شاعر عربي وزعيم قبيلة من بادية شرق الأردن. اشتهر بنبله وكرمه وسجاياه الحميدة. وينتمي إلى عشيرة العدوان الأردنية، التي تمركزت وسط الأردن والتي كانت في فترة من الفترات من زعامات البلقاء حتى صار يقال بين عشائر البلقاوية «شيخ البلقاء ابن عدوان»، زوجته وضحى كانت من قبيلة بني صخر الأردنية، وبالتحديد من عشيرة السبيلة. أثار زواجه بوضحى في بداية الأمر حفيظة عشيرته كونها من خارج قبيلته، وأيضاً كونها من عشيرة بني صخر التي كانت خارج حلف العدوان الذي كان يضم العدوان وعشائر البلقاوية وعشائر السلط وغيرها من جهة، وعشائر بني صخر والعباد من جهة أخرى وكان الحليفان يتنافسان على النفوذ في مناطق البلقاء ووسط الأردن في تلك الحقبة من الزمن، لكن عشق عدوان لوضحى تجاوز مسألة العادات والتقاليد المنيعة، حتى إن زواجهما صار حكاية يحكيها العرب إذا ما قرروا تزويج ابنهم من قبيلة ثانية.

نزار وبلقيس.

مشاعر
ومن بين علاقات الحب السرية أيضا حكاية بين الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان والشاعر المصري إبراهيم نجا الذي قدم الى فلسطين صحافياً لتغطية حرب ،1948 وأحبت طوقان هذا الشاعر التي وصفته يوما قبل وفاتها في إحدى المقابلات التلفزيوينة بـ«الرقيق والمخلص والشجاع» لكن تقاليد وعادات بعض العائلات القديمة في فلسطين التي ترفض ان تزوج بناتها الى شخص غريب عن العائلة، وقفت حاجزا منيعا بينهما، وحطمت الاحلام التي كانت توحد مخيلتهما، ولم تتزوج طوقان طوال حياتها التي تعدت الـ80 عاماً، وبقيت تلك الفترة مدافعة شرسة عن علاقات الحب والعشق والهوى.

وفي قصة أخرى، يتجسد الحب بين نزار قباني وزوجته بلقيس التي قال لها بعد مقتلها عام 1981 «بلقيسُ.. إن الحُزْنَ يثقُبُنِي.. وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ.. لا تدري جريمتَها.. وبيروتُ التي عَشقَتْكِ.. تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها.. وأطفأتِ القَمَر».

وقصة قباني وبلقيس من قصص الحب العربي خلدها قباني شعرا ونثرا، إذ رفض أهل بلقيس بنت جميل الراوي التي تسكن الأعظمية القباني زوجاً لابنتهم، كما رفضته بلقيس نفسها خوفًا من علاقاته الغرامية، ويقال إن قيادات بعثية ثقافية توسطت في الأمر منهم الشاعر شفيق الكمالي وخطبوا بلقيس لنزار.

وتزوج قباني بلقيس وهو في سن الـ،46 وهي في الـ30 وبحكم الصداقة القائمة بين أخيها إبراهيم وبين نزار وجه إليه هذا السؤال: لماذا لم تتزوج امرأة أجنبية وأنت الذي جاب مدن الدنيا والعالم وهامت به نساؤه؟ فقال له نزار: إن الزواج بامرأة أجنبية يعني أن بك حاجة إلى ترجمان دائم لعواطفك ولمشاعرك، وعندما تترجم العواطف والمشاعر لا تدخل إلى القلب مباشرة، لذا أستطيع الآن أن أحب امرأة عربية مثلي فيها رائحة القهوة وجسدها مفصل تفصيلاً يشبه خارطة وطني.

عاش نزار وبلقيس 12 سنة، أنجبا خلالها زينب وعمر، لكن نزار وبسبب الحرب الأهلية في لبنان أقام سنتين في بغداد في حين غادرت بلقيس إلى لبنان لارتباطاتها العملية في الملحقية الثقافية في بيروت التي قضت في عملية تفجيرها عام 1981 ،وقال في مرثيته: «سأقول في التحقيق.. إني قد عرفت القاتلين.. بلقيس يا فرسي الجميلة.. إنني من كل تاريخي خجول.. هذي بلاد يقتلون بها الخيول.. بلقيس أيتها الشهيدة والمطهرة النقية.. سبأ تفتش عن مليكتها فردي للجماهير التحية.. يا أعظم الملكات.. يا امرأة تجسد كل أمجاد العصور السومرية.. بلقيس يا عصفورتي الأحلى.. نامي بحفظ الله أيتها الجميلة».
طباعة