«بيان» يُعرّي الواقع.. و«المتكلم» يستحضر الــ «هيب هوب»

«بيان شخصي».. أبوالقاسم يروي تراجيديا الألم الفلسطيني. تصوير: محمد منور

لعلها مفارقة مثيرة أن تُحلق عروض اليوم الرابع من أيام مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما بجناحين متناقضين، ليس لهما أن يتفقا على فضاء واحد، الأول من فلسطين والثاني من أميركا. ولعل المفارقة التي يمكن التقاطها أيضاً هي التقارب الموضوعي بين صرخة الممثل الفلسطيني عبدالرحمن أبوالقاسم وصرخة الأميركي مارك باموثي في طلب الحرية، والخلاص في حياة مكللة بالوهم والخديعة.

ولن يستمر هذا التقارب الموضوعي، نوعاً ما، في طلب الحرية، طويلاً، فصرخة أبوالقاسم في العرض المسرحي «بيان شخصي» إخراج السوري جهاد سعد، هي صرخة في وجه تراجيديا الألم الفلسطيني، ووجه الخيبات العربية وسقوط المقولات والشعارات واحتضار الإحساس القومي. أما صرخة باموثي في مسرحية «العالم المتكلم» فكانت تبحث عن حرية من نوع آخر، لها علاقة بانعتاق الروح، وتخليصها من قيود وهمية، والانطلاق بها إلى مساحات تتجاوز قضايا التمييز العنصري، وغيرها من هموم الأميركيين من أصل إفريقي.

زياد الرحباني في الفجيرة   
 


يصل اليوم إلى الفجيرة الفنان اللبناني زياد الرحباني، لتقديم حفلة موسيقية ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما. وقال رئيس اللجنه الإعلامية في المهرجان الدكتور محمد عبدالله سعيد، إن «مهرجان الفجيرة للمونودراما مناسبة للاحتفاء بالثقافة والإبداع، وجاء اختيار الموسيقي اللبناني زياد الرحباني للمكانة الرفيعة التي يتمتع بها، ولدوره الكبير في الموسيقى العربية المعاصرة». وأشار إلى أن مثل هذه الأمسيات الموسيقية الراقية تخلق جواً من الألفة بين ضيوف المهرجان، وتعطي للفعاليات زخما إضافيا.

وقالت نائب رئيس اللجنة الإعلامية في المهرجان، فاطمة يوسف، إن زياد الرحباني اسم مهم ليس فقط على مستوى الموسيقى، بل على مستوى الحركة المسرحية أيضا، وجميعنا يعلم أنه قدم أعمالا مسرحية مهمة كثيرة. ولذلك، فإن زيارته للمهرجان وتقديمه الحفل سيعطي الدورة الرابعة بعدا ثقافيا وإبداعيا، يضاف إلى بقية أبعاده المعنية بالاحتفاء بالمسرح العربي.

مسرح الإعلام  
ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لعروض مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، أقيمت أمس ندوة «مسرح الإعلام وإعلام المسرح»، شاركت فيها نائب رئيس التلفزيون المصري فاطمة فؤاد، وقدمها الزميل حسام عبدالهادي من مجلة «روز اليوسف»، بحضور رئيس المهرجان محمد سعيد الضنحاني، وعرضت فاطمة نقاطا مرتبطة بمسيرة مسرح التلفزيون، والدور الذي لعبه في الستينات في تنمية الذائقة المسرحية والحراك الثقافي بشكل عام، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تراجعت مع تراجع المنجز المسرحي الراقي بصورة عامة، والهبوط الذي يعاني منه المنجز المسرحي، حيث بات من الصعب عرض أعمال مسرحية كثيرة لا تتناسب مع العادات والتقاليد.

تبلّد 
بررت آراء في الندوة التطبيقية عدم التفاعل مع عرض «بيان شخصي» بأنه لم يكن لموضوع العمل الذي يهم الناس جميعاً، بل لتبلد المشاعر تجاه الوجع الفلسطيني، خصوصاً أن ما يراه الإنسان العادي في نشرات الأخبار جعل التعامل مع الوجع الفلسطيني من الأمور العادية والمألوفة.


ليست محاولة التقريب بين العرضين مهمة سهلة، وتنتفي في اللحظة التي ندخل فيها إلى العوالم الفنية لكل منهما. وعلى الرغم من الرابط الذي أشرنا إليه سابقا، إلا أننا في جوهر الموضوع نجد أنفسنا أمام فروقات تباعد بين التجربتين على مستويات الشكل والمناخ والمشهدية واللعبة التعبيرية بصورتها العامة. وفي الوقت الذي ظهرت فيه مسرحية «بيان شخصي» تقليدية نوعاً ما، ومنجذبة إلى مقولات مطروقة أكثر من مرة في تجارب مسرحية مماثلة، مضى عرض «العالم المتكلم» إلى مناطق فيها ابتكارية مدهشة، واستفادات متنوعة وغنية من الإرث الموسيقي الأميركي، وارتكاز واضح على ثقافة الـ«هيب هوب» التي وضعها باموثي في سياق درامي محكي، ومُجسد في هيئات راقصة ممتعة.

في رثاء القضية
لم تنل مسرحية «بيان شخصي» الترحيب من نقاد ومسرحيين شاركوا في ندوتها التطبيقية، بل هاجمها بعضهم بقسوة، خصوصاً أنها تحمل أنفاس مسرحي مخضرم هو عبدالرحمن ابوالقاسم الذي كتب هذه التجربة أيضا بالتعاون مع مؤنس حامد، ولعل القسوة التي طالت بنية العمل ومقوماته عموما مردها إلى توقعات اعتبرها بعضهم أكبر مما شاهدوه في العمل.

تبدأ المشكلة في العمل من عملية إنجازه بصورة عامة، فالنص الحافل بالمقولات الذي جاء على شكل هذياني، تتحرك فيه الحالات والقصص وتتوالد من بعضها من خلال شخصية فلسطينية تروي حكايا وتفاصيل كثيرة تعري الحال العربي، كان في حاجة إلى توليفة بصرية مشابهة، أو ، على الأقل، تتداخل مع هذه الهذيانية، وتتداخل مع البوح ووجدانية الكلام، بأدوات أقل تعقيداً مما بدت عليه، أو على الأقل لم يكن نص المسرحية الذي يركز في الحكي وفعل الروي، يحتمل البناء التسجيلي، أو وضع الكتل الكبيرة من أكوام الصحف التي كان بالإمكان الاستعاضة عن رمزيتها بما هو أبسط وأدل.

يحمل العمل في طياته طاقة حميمة كبيرة، ومساحة واسعة ومتنوعة من العوالم والبشر، والمضامين التي تجعل منه سلسلة بيانات شخصية لزمن عربي وصل إلى درجة الانتهاك والشيخوخة، تماماً كما حال الشخصية الملاحقة والمسكونة بانهيارات وفجائع يومية تبدأ ولا تنتهي. ومن هنا، أراد أبوالقاسم لنصه أن يكون بمثابة الفضيحة المعلنة للواقع، ولحجم الشعارات وأطنان الصحف الشاجبة والإعلام المضلل، والحامل لحنين قومي ماضوي، خصوصاً في المشهد الذي يقرر زيارة قبر الراحل جمال عبدالناصر في مصر.

نص العمل إذن كان بسيطاً يتحرك بهدوء بين أزمنته وحالاته، بإشراقات هنا، ومآزق عدة في أمكنة أخرى كانت تجعله أقرب إلى التقريرية، بعيدا عن التأمل والتوقف الدرامي عن لحظات مؤثرة وجوهرية في المادة المكتوبة. ويمكننا أخذ هذه التقريرية إلى الجانب البصري في العمل الذي أثقله جهاد سعد بقطع كبيرة، استفاد منها في المادة الفيلمية التي أعطت الشخصية سياقها التاريخي، لكنها بعد ذلك كتمت على أنفاس العمل، وقيدت الممثل في مساحة ضيقة، قد يكون المخرج يريد منها أن تدلل على ضيق الأفق والمستقبل الفلسطيني، لكنه على الرغم من ذلك كان بمثابة الفخ الذي جعلنا ندخل في رتابة مشهدية، واعتيادية أفقدتنا الدهشة وجماليات الفرجة، وضيقت على أبوالقاسم التيه الذي يعيشه.

حاول سعد أن يوجِد من محاكمة الشخصية للاعلام العربي وأطنان الكلام الذي قيل في القضية الفلسطينية المشهدية الأبرز لديه، بدءاً من خلفية وفضاء العمل، وصولاً إلى أكوام الصحف على الخشبة، لكن الكتل بقيت على حالها من دون استفادة جوهرية وحقيقية منها. ولذلك، بدا العرض في مواقف عدة مفتقداً التداخل الموضوع بين عناصر العمل.

ولم تكن البساطة التي راهن العمل عليها مقنعة إلى هذه الدرجة، فأبوالقاسم وضع خبرته على المسرح، وحاول أن يكون مقتصداً ومسيطراً على انفعالاته، وحاول أن ينقل إلينا مواجع الشخصية بهدوء وبما يشبه الفضفضة والبوح، والتحرك في تحولات العمل، غير أن هذا الاقتصاد أوصلنا في لحظات عدة إلى عدم مبالاة بما يحدث، وأضر بتلك العلاقة التي كانت تنبني مع الصالة حيناً ، وتضيع في أحيان كثيرة.

لم يصل هذا العمل كما ينبغي، فدائماً كان هناك عائق غير محسوس في وجود مسافة ما. ربما، لأن واقع القضية الفلسطينية صار أكثر قسوة مما شاهدناه على الخشبة، وربما، لأن موضوع النص بات مألوفاً ولم نر فلسطين اليوم، فلسطين التي تجاوز حزنها قضية الموت والمجازر التي ترتكب بحقها إلى ما هو أبعد وأعمق، وربما لأن «الطبخة» الدرامية في العمل ليست بهذا القدر من الاستواء، أو لخلل عضوي في علاقة عناصر العمل ببعهضا، أو أن هذه المحاكمة السياسية جاءت متأخرة جدا وتتطلب اليوم ما هو أكثر من ذلك بكثير.

الرقص يوحّد العالم
كان الانتقال من عرض «بيان شخصي» إلى العرض الأميركي «العالم المتكلم» بمثابة القيام برحلة في الزمن، والانتقال من عصر إلى آخر، ففي الوقت الذي كانت فيه التجربة الفلسطينية مستسلمة لبناء التقليدي للعمل المسرحي البعيد عن التجريب والعمل مع المونودراما على أنها حقل للاختبار، وضعنا العرض الأميركي أمام أحدث ما يمكن الوصول إليه في بناء المشهد البصري والموسيقى بتجريدية غنية، فكانت هي الأخرى بياناً شخصياً احتجاجياً، ولكن، بلغة وإيقاعية الـ«هيب هوب».

في هذه التجربة التي لقيت الاحتفاء، وصل الممثل مارك باموثي، وبتطرف شديد، إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه الممثل، من حيث العلاقة مع الجسد وحضوره على الخشبة. الجسد الذي يمكن أن يكون في حد ذاته مادة درامية عند ترويضه وإدراك مكامن القوة فيه، والتي بدت قوة غير محدودة، ويمكنها أن تصل إلى أماكن مدهشة للعين، وقادرة على أن تكون معادلا موازيا، أو سابقا، للكلام المنطوق وللنص الأدبي.

يتناول العرض سيرة ذاتية تدين تاريخ العنصرية وتفاصيل من حياة الأميركيين من أصل إفريقي، وعلاقتهم بالموسيقى والايقاع، والتحولات التي تشهدها نيويورك منذ مطلع السبعينات ، وقد قدم حالة مختبرية وورشية مرتبطة في أن العمل على منجز بصري مسرحي في المرحلة الراهنة ليس له أن يتكئ على أدوات قديمة، بل علينا البحث والاستفادة من التحولات الثقافية والمعرفية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة. وتجاوزت الفرجة المسرحية بكثير التيمات والأدوات التي باتت معهودة وعاجزة عن الإدهاش، وبناء علاقة مع عقليات الجمهور الذي يفترض أنها تغيرت وصارت عملية إدهاشها صعبة وشاقة، وأن الناس لم تعد معنية بالقضايا الكبرى والجماعية، بقدر ارتباطها بوجعها الفردي الخاص، حتى وإن كان هذا الوجع عاماً، ويمثل شريحة واسعة من الناس.

اتكأ مخرج وممثل العمل على مشروع موسيقي وإيمائي راقص، وعلى تجربة استغرقت سنوات من التدريب والإضافات، حيث كان العمل يُعرض على مسارح صغيرة وفي الساحات العامة، إلى أن وصل إلى حالته الراهنة التي يمكن أن تتغير وتتبدل حسب المعطيات، بما يعطي التجربة صفة الديمومة والاستمرارية والانفتاح على الجديد، وعلى مقترحات جمالية كثيرة يمكن إضافتها لاحقاً، فالعالم كما يقول باموثي «متحرك ومتغير ومتبدل في كل شيء، ولم تعد التجربة الإبداعية مهما كانت قادرة على وضع مقولة نهائية وثابته لما يحدث. ولذلك، علينا اللحاق به بكل ما لدينا من طاقة وموهبة». ربما تبرز هذه المقولة حالة القلق الكبيرة التي يعيشها العمل والتوتر العميق الذي ينقله لنا الممثل الذي لم يهدأ لحظة واحدة طوال مدة العرض، حيث كان ينتقل بين لحظات شعورية وزمنية وبين عشرات الشخصيات بسرعة فائقة، كأنه يحاول تلخيص العالم أو تلخيص ذلك الحراك المخيف في مدينة صاخبة كنيويورك.

يضع العمل الجسد في جملة امتحانات كان هدفها الوصول إلى تحرير الروح من ثقل وحصار الجسد لها، وجعل الجسد وسيلة حقيقية للتعبير والاحتجاج، وذلك كله كان ضمن لعبة موسيقية يصممها على الخشبة مباشرة الموزع الموسيقي تومي شيبرد الذي كان يصمم المؤثر الموسيقي من خلال فمه، وعبر آلة «الدرامز» التي كانت على الخشبة ويقدمها لنا، وفق حالة من التماهي والدقة المثيرة بين حركة الممثل والمؤثر الصوتي، وفق انضباطية صارمة ليس فيها أدنى مكان للخطأ.

 

طباعة