«صمت» ساخر.. و«أنتيغـون» كـما لم نرها

«أنتيغون» ملحمة تراجيدية بإبداع بصري. تصوير: محمد منور

الرضا العام، التصفيق الحار، والدهشة. بهذه الكلمات يمكننا تلخيص اليوم الثالث من أيام مهرجان الفجيرة للمونودراما الذي علت فيه كلمة المسرح، وسادت فيه لغة الإبداع، وكان الجمهور أمام عرضين مبهرين، احتشدت فيهما عناصر المتعة البصرية وفتنه الممثل والمقولات الكبرى. فما كان من جمهور كبير شاهد عروض اليوم الثالث إلا انتظار الندوات التطبيقية والاحتشاد في القاعات للتعبير عن السعادة، ولتأكيد على أن هذا اليوم هو أبرز أيام هذه التظاهرة حتى الآن.

 ما المونودراما؟

 يكاد يمضي يوم إلا ويشتعل فتيل الخلاف بين نقاد ومسرحيين حول مفهوم فن المونودراما وتعريفه. ولذلك، كان العرض الياباني مناسبة أخرى لهذه السجالية، ففي وقت نفت فيه أصوات مونودرامية العمل، واعتبرته مجرد عمل مسرحي صامت، يفتقر للفعل الدرامي، رأى بعضهم ضرورة عدم الانشغال بتقييد الأعمال المسرحية في تقييمات وتعريفات، والاكتفاء بضرورة الدعوة إلى أعمال جميلة ومحترفة، بحيث ينتصر الفن المسرحي، بغض النظر عن شكله ومظهره، لأن المسرح في نهاية المطاف فرجة، وما دام العمل يوفر مبدأ الفرجة فهو ينتمي إلى المسرح، مونودرامياً كان أم لا.

===========

عروض اليوم 

تتواصل اليوم عروض الدورة الرابعة من مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما مع عرضين، الأول من لبنان، «زواريب»، تأليف الراحل ممدوح عدوان وإخراج روجبه عساف، وتمثيل رفيق علي أحمد. والثاني من روسيا، «قبل أن يصيح الديك للمرة الثالثة»، إخراج وتمثيل أولغ بلوف.

 



وعلى الرغم من التناقض بين العرضين الليتواني والياباني، إلاأنهما كانا مناسبة لفرجة مسرحية مبهرة، مضى الأول عميقاً في التاريخ إلى واحد من أكثر النصوص المسرحية قدماً وشهرة وجدلاً حول العالم، ونهض الثاني من اللحظة الراهنة مستعرضاً، بذكاء شديد ومهارات بدنية استثنائية، لوحات إنسانية صامته ساخرة، استحضر فيها قضايا مرتبطة بالإنسان، دمويته، طمعه، الرغبة في الشهرة والمجد، والكثير من خيباته اليومية.

ابنة المأساة

من اللحظة الأولى، قدم عرض «أنتيغون» لفرقة المسرح الوطني الليتواني نفسه على أنه تجربة إشكالية صعبة، وفتح باب الأسئلة قبل بدء العرض. فكيف يمكننا تلخيص ملحمة تراجيدية بهذا الحجم، بكل ما فيها من أزمات وجودية وصراعات دامية ونتائج مأساوية في عمل مونودرامي؟ وكيف يمكن للمخرجة الممثلة بيروت مار الإلمام بعناصر وشخوص هذه الملحمة، ووضعها أمامنا في مدة لم تتجاوز الساعة الواحدة؟ وما الجدوى من استعادة مأساة «سوفوكليس» الشهيرة الآن؟

هذه الأسئلة وغيرها سرعان ما خَبَت وصمتت، مع بدء هذا العرض الذي قادنا في رحلة بصرية متكاملة العناصر، تجمعت فيها كل الأغراض الفنية لخدمة هذه التجربة التي لم تقصِ ملحمية الحكاية كما كان متوقعاً، ولم تتنازل عن الطقسية، حتى إنها لم تتجاهل حضور الجوقة الإغريقية التي كانت من أساسيات أي عمل درامي.

إذا كنا أمام عرض معاصر جداً، طوع عناصر ملحمة تاريخية، جمعها في لعبة باذخة ومقتصدة في الوقت نفسه، من حيث الاستفادة من صور الفيديو والعرض البصري الذي كان في عمق الخشبة، كمعادل موضوعي لأحداث الحكاية، وكانت هذه الخلفيات المصورة بمثابة المبرر الدرامي لكل ما يحدث أمامنا. وعلى الرغم من أن بيروت مار جرّدت المأساة من مقدماتها الأدبية والتاريخية، وانطلقت من قرار إعدام أنتيغون، إلا أن هذا التجريد لم يضعف من متن الحكاية التي عشناها في الخلفية عبر تنويعات بصرية ورمزية، وعبر تداخل دقيق جداً بين الممثلة وخلفيات العمل البصرية التي كانت تدفع الحكاية إلى الأمام، وكانت تروي هي الأخرى، وبرمزية بصرية، القصة بصورة مغايرة تتكامل مع الفعل الدرامي للممثلة.

اتسمت التجربة بالدقة الشديدة والجدية التي جعلتنا في منأى عن رؤية أدنى حركة زائدة عن الحاجة، فلكل إيماءة معناها، ولكل نظرة ضرورة، ولكل تحول في الشخصية زمنه ولحظته المدروسة جداً، ولكل لحظةِ عتمةٍ أو إضاءةٍ هدفها الجوهري في العمل الذي راهنت مخرجته وممثلته على وضعنا أمام سياقين للحكاية. الأول خارجي مرتبط بتفاصيل القصة المعروفة، والثاني داخلي، حيث كنا على تماس مباشر مع أنتيغون، ومع التحولات الدقيقة في فكرها وارتباطها المأزوم بكل مايدور من حولها.

في هذا العرض الذي أنجز مهمة ثقيلة، كنا أمام ممثلة مبدعة بامتياز، استطاعت أن تنتقل في لحظات بسيطة وغير ملموسة، ووفق إيقاعية صارمة بين شخصيات هذه الملحمة، فهي شقيقها «كرينتوس»، وهي «هايمون»، والحارس، والمتنبئ، والملك «كرونت»، وهي أنتيغون، وهي الممثلة والمخرجة التي وفرت لهذه التحولات مجموعة متكاملة من اللمسات الفنية، خصوصاً ثوبها الذي كان يتحول، وبحركات بسيطة، إلى كل الشخصيات السابقة. في هذا العمل، دلالة وتأكيد على أن المسرح، هذا الفن العتيق، يمكنه أن يكون حديثاً ومعاصراً إلى أقصى درجة ممكنه، ويمكنه أن يقود متلقيه إلى أبعد مكان في لعبة الإدهاش والإقناع والسحر والنور المبهر، مهما كانت الحياة مظلمة في الخارج.

«الصمت الذهبي»

«الصمت الذهبي».. حكاية الجسد وفتنة الممثل البارع.

بلاغة الصمت وفتنة الجسد ودقة الاشتغال على الذات عناصر أساسية في التجربة الآتية من اليابان، بصمتها وبلاغة معانيها، وتأكيدها على بهاء الممثل الحقيقي، هذا الكائن المجبول بالعالم والمأخوذ بالفضول والاندماج في تفاصيل العالم التي تصير جزءا من تكوينه وملامحه ووجوده.

حملت التجربة التي أخرجها ومثلها الياباني «آكيرا شميزو» روحية خاصة مرتبطة بالفن الصامت «البانتومايم»، الفن الذي عرُف من زمن بعيد، وحافظ على حضوره النادر، نظراً لصعوبته الشديدة، ولتطلبه مهارات خاصة جداً لاتتوافر كثيراً، مهما كان الممثل موهوباً ومقتدراً، نظراً لأن هذا النوع من الأداء المسرحي يتطلب خصوصيات جسدية، واشتغالات معقدة على القدرات العضلية والعصبية، وغيرها من الشروط التي تخول الممثل أن يختصر الكلام في لغة حركية دلالية، تتطابق مع الفعل الواقعي بطريقة تصل في أحيان كثيرة إلى حد الإدهاش والإعجاز.

وعلى الرغم من الصمت في العرض، إلا أن شيمزو حمّله بحكايا ومضامين درامية صعبة كثيرة، فكنا أمام تلخيص لحياة بطل عايش الحرب العالمية بكل تفاصيها الدامية القاسية، وكنا أمام اجتماعات الخمسة الكبار، حكاية مصور يبحث بكل أنانية وتزييف عن الشهرة التي يصل إليها، ليصير هو في لحظات لاحقة موضوعاً لشهرة الآخرين.

انقسمت التجربة إلى لوحات منفصلة متصلة تسخر بمجملها من العالم، من زيفه ودمويته، ومن تسليع الإنسان الذي بات مسيطراً عليه من أدوات تقنية بسيطة، كمشغل الأسطوانات الموسيقية.

قدم شميزو في عمله تقنيات جسدية فاتنة، وكان كل شيء في العرض مدروساً ومتقناً بشكل لافت، فحركة الأصابع في لوحة «ملك التصوير الصحافي» كانت محيرة وصادمة، وتنويعات الحركة في لوحة «شراء مشغل أسطوانات» كانت تأكيداً على الغنى الذي يتمتع به جسد هذا الممثل وقدرته على ضبط أصغر عضلة في الوجه، وصولاً إلى لوحة «اجتماع الخمسة الكبار» التي تضمنت تجسيداً لخمس شخصيات تتصارع في لحظة واحدة من أدنى خطأ في حركة الشخصيات التي كان يتنقل بينها بسرعة وخبرة وبلاغة. هذه المسرحية التي صفق لها الجمهور كثيراً جاءت لتقدم إشارة واضحة إلى المدى التعبيري الذي يمكن أن يصل إليه الممثل المهموم بهذه المهنة، والمنشغل تماماً بتطوير أدواته وتسخير كل شيء لخدمة طاقة التمثيل الكامنة فيه.

طباعة