«ألبير كامو».. إلى مقابر الفرنسيين العظام

ألبيركامو. أرشيفية

يبدو الكاتب البير كامو بوجهه الجميل المعذب، اشبه بنجم سينمائي أكثر منه كاتباً وفيلسوفاً. وقد توفي على طريقة افلام السينما أيضا بصورة مأساوية وهو في عامه السابع والأربعين، عندما انزلقت سيارته فوق طريق متجلدة على بعد 100 ميل جنوب باريس، واصطدم بجذع شجرة في الرابع من يناير عام .1960 وبعد مرور 50 عاماً يبقى كامو الكاتب، والبطل المقاوم، والفيلسوف، وحارس المرمى، احد أشهر الكتّاب في العالم، واكثرهم صعوبة للتعريف. فهل كان يسارياً ام ليبرالياً؟ إنسانياً شجاعاً أم زير نساء قاسي القلب؟

وكما هي حال بطل إحدى أشهر رواياته التي تحمل عنوان «الغريب» يظل كامو غريباً، وأي محاولة لتصنيفه، تبقى مثيرة للمشكلات. وعلى الرغم من ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قارئاً نهماً لكامو منذ شبابه، إلا أنه تخبط في الحكم عليه. وهو يريد أن يعظّم من مكانته عن طريق نقل رفاته الى مقبرة بانثيون في باريس، مرقداً أخيراً للرجال الفرنسيين العظام «وكذلك النساء الفرنسيات العظيمات». واثار اقتراح ساركوزي عاصفة مدوية من رجال الفكر الفرنسي الذي يرون أنه كيف يجرؤ رئيس من اليمين الفرنسي على انتزاع جثة بطل من اليسار؟ «لم يكن كامو، بخلاف صديقه جان بول سارتر، بطلاً حقيقياً لليسار الفرنسي» وكيف اصبح هذا الرئيس المعادي للفكر ينبش القبور ويضع «الغريب العظيم» رسمياً داخل معبد دنيوي من العظمة و الطيبة. وثمة عاصفة اخرى أكثر اعتدالاً اندلعت بشأن فيلم تلفزيوني يتحدث عن العقد الأخير من حياة الكاتب، تم بثه على التلفزيون المملوك للحكومة «فرنسا2»، قبل أيام. وكان الفيلم ينطوي على مراجعة متطورة لحياته ولكنها مع ذلك اثارت غضب محبي كامو من خلال النظر الى هذا الإنسان العظيم عبر التنوع المتعدد لعلاقاته المعذبة التي غالبا كانت عديمة الرحمةمع النساء. «وتراوح هؤلاء النساء ما بين امه الأمية التي أحبها كثيراً، وزوجته المنتحرة، إلى جانب صديقات اخريات عدة في الوقت ذاته». وكان منتجو الفيلم قد استشاروا العديد من الأشخاص من ضمنهم تود اوليفيير، مؤلف احدى افضل سِيَر حياة كامو، وهو معروف لكبار السن في بريطانيا باعتباره مراسل «بي بي سي» النشيط في باريس في ستينات القرن الماضي. ويعتقد تود أن كامو يجب ان تعاد ذكراه باعتباره رجلاً متناقضاً و معقداً ولم يكن رمزاً للرجل الإنساني أو رمزاً للروح النبيلة ولا حتى الفيلسوف. ويصر تود على ان كامو كان «الأول والأفضل» و«رجل مهنة عظيم» كان يصبو الى التعبير عن عبثية وغموض الحياة. والذي حاول مرة التعبير عن اللغة الفرنسية، عن نوع ادبي من الفلسفة. ولكنه غيّر رأيه في الحال. وأعلن بعد ذلك قائلاً «لست وجودياً».

ومع ذلك يبقى ألبير كامو ماثلاً في الذاكرة العالمية مقترناً مع جان بول سارتر الذي ظل لأكثر من عقد من الزمان منافسه، وصديقه، و أحياناً رفيقه في الغرف العابقة بالدخان في فندق هاميلتون في الحي اللاتيني في باريس. وقبل الرجلان وجهة النظر التي مفادها انه لا يوجد اخلاق مطلقة او حقيقة مطلقة ، فقط هي القيم او الحريات التي صنعها البشر لأنفسهم. وانتهت الصداقة بصورة عنيفة، عندما سخر كامو، في مقال كتبه، من عادة المفكرين الفرنسيين بمن فيهم سارتر، في المساواة بين الحرية والشيوعية. وولد كامو في عائلة فقيرة في الجزائر، واثار غضب اليسار الفرنسي عندما رفض تأييد الحركة المناهضة للاستعمار في ستينات القرن الماضي، كما أنه لم يؤيد عنف المستوطنين البيض أيضاً، ولكنه دعا على نحو ساذج، الجيش الفرنسي وحركات الاستقلال العربي للقتال حتى الموت من دون الإضرار بالمدنيين.

واصبح كامو، خصوصاً خارج فرنسا، مناهضاً لسارتر. وحيثما كان سارتر بشعاً، كان كامو وسيماً. وبينما عكف سارتر على تأليف الكتب خلال الاحتلال النازي، انضم كامو الى المقاومة. وعندما أيد سارتر الستالينية والماوية وعنفهما السياسي، ظل كامو صامداً في معارضته للشمولية ومناهضاً للعنف. وعلى الرغم من أن أعمال كامو تظل الأكثر انتشاراً بين الفرنسيين، إلا أن ثمة من يدعوه كاتب «المراهقين» في الدوائر الأكاديمية، ولكن مارسيل ماهاسيلا مديرة «مركز كامو» تقول انه كان مفكراً حراً الى درجة كبيرة مقارنة بمن يطلق عليهم «مفكرو اليسار». الا ان ثمة اشارات تدل على انه صار يؤخد على محمل الجد في فرنسا باعتباره كاتباً عظيماً وليس فيلسوفاً. ولذلك شهدت الذكرى الـ50 لوفاته طبع الكثير من الكتب الأكاديمية عنه. ولا تزال مسألة تحول «الغريب» الى واحد من اهل البيت الفرنسي، على حالها، ولم يتم حلها بعد. ولايزال قرار نقل رفاته الى مقبرة بانثيون بيد عائلته، وخصوصاً ابنته كاثرين كامو التي تدير ممتلكاته الأدبية. وقالت كاثرين الأسبوع الماضي انها لم تتخذ قرارها بعد، ولكنها اشتكت من أن اولئك الناس الذين اتهموا السيد ساركوزي باستغلال والدها كانوا «يستغلون والدي صاروخاً مضاداً لساركوزي».

وبصورة عامة فقد اوحت كاثرين بأنها لا ترى أي سبب يمنع تكريم الروائي الفرنسي العظيم، الى جانب فيكتور هوغو وإميل زولا، وقالت «كان والدي كاتباً يمكن ان نفهمه، ويشعر الناس بأنهم قريبون منه، وهو يطرح الأسئلة المستوحاة من قلب وجودنا».

طباعة