«عناقات متكسّرة».. أهلاً بكم فــي عالم ألمو دوفار

الماضي والحاضر يمتزجان في «عناقات متكسرة». آوت ناو

نقول مرة أخرى ونعرف أن في «مراراً» توصيف أفضل لما تقاربه أفلام الاسباني ألمو دوفار، إنه في المساحة التي صنعتها أفلامه وهي تقطف من ثمار الحب اليانعة على شجرة كبيرة، لنا أن نصفها هنا بأنها شجرة مأخوذة بتربة ممتزجة بالشهوات والرغبات، وكل ما يدفع الإنسان إلى الشعور دائماً بأنه يكتشف نفسه التي لا تنضب، مع قدرتها الخارقة على وضعه أمام اكتشافات جديدة.

ألمو دوفار في جديده «عناقات متكسرة» يبقى عالقاً في هذه المساحة، لها كل الإغراء أن تبقيه فيها، لكن مع مقاربة ذكورية ربما هذه المرة، تلتقي مع أفلامه التي كانت ترى العالم بعيني امرأة في مسعى لتأنيث كل شيء ومقاربته من جهة المرأة دائماً.

ستكون كلمة «ذكورية» غير دقيقة في توصيف مقاربة الفيلم لعالم المخرج، ولعلنا نستعملها هنا لسبب يكمن في كون سرد الأحداث يمضي من جهة كاتب أعمى اسمه هاري كين (لويس هومر)، اسم مكتسب غيّر فيه اسمه الحقيقي قبل أن يفقد بصره وقد كان ماشيو بلانكو.

إنه الآن يتحسس جسد أنثى ساعدته في اجتياز شارع، يقول لها «صفي لي جسدك»، إنها حاسة المخيلة ما عليه الاستعانة بها متى كان بصره معطلاً، يعيش أيامه المتشابهة وهو يكتب بإملائه ما يفكر ويتخيل على ديغو (تامر نوفا)، وبرفقة ألوان ألمو دوفار، وذاك الأحمر الذي سرعان ما يطفو كخلفية للأحداث.

لكن مهلاً هناك ماضٍ سينقضّ على هاري، وسيمضي الفيلم وهو يستعيده ممتزجاً بالحاضر الذي يتضح تماماً وفق ذلك الماضي، سنعرف لمَ أصبح هاري أعمى؟ وسيأتي ذلك الماضي ومعه لينا (بينلوبي كروز معشوقة ألمو دوفار في رابع دور لها في أفلامه)، وعندها سيتضح كل شيء، سيكون الحب والتباساته ومآزقه مقرر الحياة ومسيّرها وصولاً إلى ما يعيشه هاري في الحاضر.

إنه الكاتب والمخرج في الماضي، إنها لينا من سيقع في غرامها وهو يمنحها بطولة فيلمه، لينا التي تكون من أسرة فقيرة ووالدها على حافة قبره مصاباً بالسرطان ولا تمتلك ثمن علاجه، وإلى جانب ذلك يحضر ربّ عملها ارنستو (خوسيه لويس غومز) الذي يساعدها في كل شيء، ولنعرف بأنها أي لينا كانت تعمل عاهرة مؤقتة متى كانت بحاجة لمال إضافي، ومع مساعدة أرنستو لها ستمسي زوجته ومعبودته، وسيتحول إلى مهوّس وممسوس بها، في عينيه ما يتوق دائما إليها وعلى حافة انهيار كامل إن هي ابتعدت عنه، وحين يدخل هاري على حياتهما تمسي الغيرة قاتلة ومهلكة ومدعاة للجنون، وفعل أي شيء بهدف إبقاء لينا إلى جانبه.

في حياة هاري ما سنكتشفه أيضاً بعيداً عن لينا، فمديرة أعماله تكون عشيقته السابقة، وديغو الذي يملي عليه كتاباته هو ابنه منها.

حسناً يمكن القول بعد هذا الاستعراض السريع لأحداث الفيلم، أهلا بكم في عالم السيد ألمو دوفار، فكل ما تقدم سيكون مأهولاً بالحواس، وتعطل حاسة البصر لدى هاري سيكون بسبب حادث سيارة يميت لينا ويفقده بصره، وعليه سيكون الفيلم تعقب لما تمليه الشهوة والحب، ولما هو رهان دائم لدى صاحب «كلّمها» على الميلودراما التي إن نسجت جيداً فإنها ستكون ذات أثر بالغ، مع تحالف المشاعر المتطرفة التي تقود ارنستو إلى استخدام كامل نفوذه في سبيل الحب وضد الحب في آن معاً كونه سيطارد هاري ولينا ولن يتوقف إلا بموت لينا، لا بل إنه سيفعل المستحيل لإعدام الفيلم الذي يكون هاري في صدد انجازه ويكون أرنستو منتجه، والاستجابة دائماً ستكون للحواس التي تحتلها امرأة، بحيث ترسم المصائر وفق رغبة الحصول عليها واستبقائها مهما كلّف الثمن.

أرنستو سيضرب لينا ودافعه الحب، هاري سيفقد بصره في سبيل الحب، ومديرة أعماله ستبقى إلى جانبه وإن كانت مهجورة تحت إمرة الحب أيضاً. الحب لعبة صاحب «كل شيء عن أمي»، وهو يضع أمامنا شخصيات ذات حياة منجزة، فإذا بماضيها يطفو ويصرخ بكل أنواع المآسي والتي ستكون دائماً عاطفية بامتياز، مزدحمة بمشاعر الحب لدرجة الإقدام على كل شيء بما في ذلك القتل.

نحن في «عناقات متكسرة» أمام رجل وحيد ومعه امرأة فارقت الحياة وأخرى تبقى إلى جانبه رغم توقفه عن حبه، إنه قاموس ألمو دوفار الذي تخرج منه كل تلك النساء الوحيدات، العاشقات، المأخوذات تماما بانزياحات القدر، وجنوحه تماماً إلى تصعيد الدراما في حياتهن وهن على حافة الانهيار من شدة الوله. كل تلك النساء مرة أخرى: الأمهات، الزوجات، الجدات، العاملات، العاطلات عن العمل، الهائمات على وجوههن في بحث حثيث عن حياة أخرى لا تشبه ما هنّ فيه.
طباعة