«إن آي».. وهج راقــص

«كل شخصين هناك قاسم مشترك لهما، إنه الحيز الذي يجمع بينهما، وأثناء البحث عن القاسم المشترك نكتشف حقيقتنا»، من هذه القاعدة وحولها يدور عرض «إن آي» الذي استضافته أبوظبي على مدى يومي أمس وأول من أمس، في قصر الإمارات، بتنظيم من هيئة ابوظبي للثقافة والتراث، وجمع بين الممثلة الفرنسية الفائزة بجائزة أوسكار جولييت بينوش والراقص ومصمم الرقصات المعاصر الباكستاني ـ البريطاني أكرم خان، ضمن الجولة العالمية للعرض.

عبر لغة فريدة من التوهج الفني الراقص جمعت في تناغم بين الموسيقى والتمثيل والرقص والإضاءة في مزيج أشرف على تنفيذه الفنان الحائز على جائزة تيرنر أنيش كابور، قدم عرض «إن آي» رحلة مشاعر إنسانية للبحث عن الذات عبر علاقة الإنسان بالآخر، وبشكل خاص عبر علاقة الرجل والمرأة بكل ما تتضمنه من مشاعر ومواقف وتحولات، في صيغة تجريدية معاصرة عبر أجواء تأملية وصوفية أيضاً، وفقاً لبطله أكرم خان الذي أشار في وقت سابق إلى قيامه بالاطلاع على العديد من الكتابات الصوفية خلال إعداده للعرض.

نقطة البداية من داخل دار عرض سينمائي تلمح فيه بينوش أو «سارة» شخصاً تشعر بأنه يختلف عن الآخرين، وبعد «مونولوج» قصير تقرر أن تتبعه حتى لا تفوت فرصة التعرف إليه، وفي مطاردة شكلت لوحة فنية رائعة تضافر فيها الأداء الحركي مع الموسيقى بخفة ورشاقة، وأثبتت بينوش فيها قدراتها الجسدية، حيث نجحت باقتدار في مجاراة أداء أكرم خان - وهو أحد أشهر وأبرع الراقصين المعاصرين - وتنتهي المطاردة بلحظة المواجهة التي تمثل ذروة المشهد وهو ما عكسته الموسيقى التي كثفت كل مشاعر اللحظة ببراعة، واستمرت على الوتيرة نفسها خلال محاولات البطل للمراوغة والهروب من مواجهة الآخر الذي يرمز للذات في الوقت نفسه، وفجأة تخفت الموسيقى وتهدأ الحركة تماماً مع استسلام البطل للمواجهة، وما يخلقه هذا القرار من راحة وسلام لديه، وبين تفاهم وانسجام ثم اختلاف وخلاف تتواصل مشاهد العمل الذي تبلغ مدته ساعة متواصلة، ويقتصر على أداء بينوش وخان دون مشاركة من فرقة خان الراقصة بخلاف عروضه العالمية السابقة، إلى ان ينتهي بوصول كل من البطل والبطلة إلى اكتشاف ذاته في رحلته لاكتشاف شكل العلاقة التي تربطه بالآخر، وهو ما يصنع أساساً لعلاقة متوازنة بينهما رغم الاختلاف في شخصيتيهما.

لحظات إثارة

تميز الجزء الأول من العرض بالإثارة وسرعة الإيقاع سواء من حيث الموسيقى او الأداء الحركي مقارنة بالنصف الثاني منه، وهو ما قد يعود إلى طبيعة المشاعر الإنسانية في الجزء الأول والتي تركزت في السعي نحو الآخر من جهة ومحاولة الهرب منه، بينما مال النصف الثاني من العرض إلى استعراض ملامح من الحياة اليومية التي تجمع بين الرجل والمرأة بما ينتابها من لحظات توهج حيناً وخفوت أحياناً، كما لعبت موسيقى الفنان الفائز بجوائز عالمية فيليب شيبرد دوراً مهماً في العرض، إذ لم تقتصر على كونها مكوناً أساسياً من الخليط الفني للعمل، ولكن أيضاً تم توظيفها لتقسيم العمل إلى ما يشبه المشاهد أو الفصول التي تستعرض مراحل وتقلبات العلاقة بين بطلي العرض من جانب وبين ذاتيهما من جانب آخر، كما كان للإضاءة التي صممها ميشيل هولس دور مهم في إثراء العمل الفني، خصوصاً أنها حلت في العمل محل الديكور.

وعقب انتهاء العرض الذي يعرض لأول مرة في بلد عربي، وشهده جمهور كبير انتمى غالبيته لغير العرب وللجنسيات الغربية بشكل خاص، جرى نقاش بين الجمهور من جانب، وأكرم خان ومنتج العرض فاروق تشودري من جانب آخر، والذي أشار إلى ان عرض «إن آي» يمثل المشروع الأكثر تحدياً وقوة بين المشروعات التي عمل عليها، وأوضح «لم نبدأ العمل من خلال فكرة واضحة، ولكن بدأنا من منطلق إيمان كل من بينوش وخان بقدراته ومواهبه كفنان وفرد، وإيمان بأهمية المجازفة، وبأننا إذا واصلنا بذل الجهد، فلن نعثر على شيء عجيب وساحر فحسب، بل سنعثر على أمر وثيق الصلة بنا كبشر ويتمتع بعمق إنساني كبير».

ولفت إلى المجهود الكبير الذي بذله بطلا العرض، مضيفاً «قامت جولييت بينوش بتدريبات صارمة ومكثفة على الرقص، وعلى نحو مماثل بدأ خان، بتشجيع من جولييت، في استكشاف مجموعة من الانفعالات الهائلة تحت إشراف وتوجيه سوزان باستون إحدى رواد التدريب على التمثيل في نيويورك».
طباعة