البرزخ «3-5»

«البَرْزَخُ هو الحاجز بين الشيئين، والبَرْزَخُ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمَن مات فقد دخل البَرْزَخَ».

اكتفى الشاعر والمثقف محمد أحمد السويدي، بتلك العبارة الموجزة كمدخل لنصه الجديد الذي تنفرد «الإمارات اليوم» بنشر مختارات منه على حلقات.

وإذا كان فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري في رحلته المتخيلة المعروفة بـ«رسالة الغفران»، قد تجول في الجنة، ثم في الجحيم مصطحباً معه رفيقهَ ابن القارح ليحاوره، موضحاً من خلال الحوار آراءه في العقائد وأصحابها وفي طبيعة الثواب والعقاب الإلهيين، وإذا كان دانتي في ثلاثيته الشهيرة «الكوميديا»، قد قام بإيضاح رأيه في عدد من مشاهير التاريخ عبر إدراجهم، إما في طبقات جحيمه التسع، والذي يمثل عالم الخطيئة والإثم والعذاب، أو في طبقات مطهره التسع أيضاً، والتي تمثل التوبة والتطهير والأمل، أو في طبقات جنته التي تمثل الطهارة والحب والصفاء والحرية والنور الإلهي، وتضم أرواح الصالحين الأتقياء الذين اتبعوا قواعد الأخلاق والفضيلة في حياتهم العلمية. إذا كان الأمر كذلك مع المعري ودانتي، فإن الشاعر والمفكر محمد أحمد السويدي في نصه الجديد، قد اختار المنطقة الواقعة ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث لينقل إلينا، في مزيج مسرحي مشغول بحرفية واضحة، ما استمع إليه من أصوات خلال رحلته البرزخية المتخيلة، حيث نستمع إلى صوت «المتوكل» وستة ممن عاشوا في دولته وجمعتهم معاً قصة واحدة، وذلك في محاولة جديدة ضمن المشروع الثقافي الطموح الذي يديره الشاعر محمد أحمد السويدي، من خلال «دارة السويدي الثقافية»، والهادف إلى إعادة قراءة التاريخ ورصد تفاصيله المغيبة بين صفحات الكتب.

يمكن الاطلاع على النص كاملاً من خلال موقع الوراق:

www.alwaraq.com  

أيام من دولة المتوكل  

 

 

الصوت الثاني



«الفتح بن خاقان»:

دخل المعتصم يوماً على والدي خاقان يعوده، فرآني وأنا صبيّ لم أثغر، فمازحني وقال: أيهما أحسن داري أو داركم؟ فقلت له: يا سيدي دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح حتى أنثر على رأسه مائة ألف درهم، ففعل ذلك.



الصوت الثالث



«البحتري»:

قلت في الفتح بن خاقان:

أمرْتَ بأنْ أُقيمَ علَى انتظار

لرأيك أنه الرأي الأصيلُ

وراقبت الرسولَ وقلتُ يأتي

بتبيانٍ فما جاءَ الرسولُ

فليس بغير أمركَ لي مُقامٌ

ولا عن غير إذنك لي رحيلُ

وقد أوقفت عزمي والمطايا

فقُلْ شيئاً لأفعلَ ما تقولُ



الصوت الثاني



«الفتح بن خاقان»:

غضب عليّ المعتصم في صباي ثم رضي عني فقال: ارفع حوائجك لتقضى. فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شيء من عوض الدنيا وإن جلّ يفي برضى أمير المؤمنين وإن قل. فأمر فحشي فمي درا.



الصوت الثالث



«البحتري»:

ثلاثة لم أرَ قطّ ولا سمعت بأكثر محبة للكتب والعلوم منهم: الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسماعيل القاضي. وكان الفتح يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتاباً من كمه أو خفه وقرأه إلى حين عودة المتوكل.



الصوت الخامس



«باغر»:

كنت من قوّاد الترك ومن جملة بغا الصغير وأصبحت معظّماً بقتلي المتوكل، وأقطعت ضياعاً تجاور إنساناً، فقبضت عليه وأمرت بحبسه، فهرب من الحبس وصار إلى دليل بن يعقوب النصراني، كاتب بغا، فعصمه دليل مني، وحال بينه وبين التعدي عليه، فأوغر بذلك صدري، وصرت إلى بغا وأنا سكران، وبغا في الحمام، فانتظرت إلى أن خرج، ثم قلت له: والله ما من قتل دليل بد، فقال لي بغا: ومن يحول بينك وبينه؟ لو أردت قتل فارس ابني ما منعتك. ودس إلى دليل من ينذره ويأمره بالاستتار. ورفق بي حتى انصرفت راضياً. فلما أصبحت وصحوت، خفت ولزمت دار المنتصر، وأقام بغا مكان دليل كاتباً غيره، وأخذ بغا في العمل عليّ، وأحسست بذلك، فهممت بقتل المستعين، ودعوت من كان معي في قتل المتوكل إلى قتل المستعين، فأجابوني، وبلغ المستعين ووصيفاً وبغا ذلك، فحضر وصيف منزل بغا ومعه أحمد بن صالح كاتبه، فوجه بغا إلى كاتبه دليل فحضر إليه سراً، ووجه إليّ فحضرت في جماعة، فلما دخلت دار بغا، حيل بيني وبين الوصول، وقبض عليّ وحبست في حمام لبغا. ثم إنه وجه إليّ من شدخني بالدبابيس والطبرزينات، هكذا انتصف القدر من قتلي المتوكل.



الصوت الثاني



«الفتح بن خاقان»:

يذكرنيك والـذكـرى عـنـاء

مشابه فيك طيبة الـشـكـول

نسيم الروض في ريح شمـال

وصوب المزن في راح شمول

كان أبو بكر الخوارزمي يقول: لا تنشدونيهما، فأرقص طرباً وما أقبح الرقص بالمشايخ.


الصوت الرابع



«عبّادة المخنّث»:

كنت مع المتوكل على بركة يصيد السمك، فتحرك المتوكل فخرجت منه ريح، فقال لي: اكتمها علي فإنك إن ذكرتها ضربت عنقك. ودخل الفتح فقال: أي شيء صدتم اليوم؟ فقلت له: ما صدنا شيئاً، والذي كان معنا أفلت.



الصوت الثالث



«البحتري»:

قلت متذكراً المتوكل والفتح في قصيدة أولها:

بِعَينَيكَ ضَوءُ الأُقحُوانِ المُفَلجِ

وَأَلحاظُ عَينَي ساحِرِ اللَحظِ أَدعَجِ

شَجىً مِن هَوىً زادَ الغَليلَ تَوَقداً

وَكانَ الهَوى أَلباً عَلى المُغرَمِ الشَجِي

إلى أن بلغت:

يَظُن العِدى أَنّي فَنيتُ وَإِنما

هِيَ السِن في بُردٍ مِنَ الشَيبِ مُنهجِ

نَضَوتُ الصِبا نَضوَ الرِداءِ وَساءَني

مُضِي أَخي أُنسٍ مَتى يَمضِ لا يَجي

مَضى جَعفَرٌ وَالفَتحُ بَينَ مُرَملِ

وَبَينَ صَبيغٍ في الدِماءِ مُضَرجِ

أَأَطلُبُ أَنصاراً عَلى الدَهرِ بَعدَما

ثَوى مِنهُما في التُربِ أَوسى وَخَزرَجي



الصوت السابع



«محمد بن المتوكل»:

كان والدي شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان عبّادة المخنّث من جملة ندمائه، وكان يشد على بطنه، تحت ثياب، مخدة، ويكشف رأسه، وهو أصلع، ويرقص بين يدي والدي، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين.

يحاكي بذلك عليّا، وأبي يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يوماً وأنا حاضر، فأومأت إليه أتهدّده، فسكت خوفاً مني، فسأل المتوكل: ما حالك؟ فقام واخبره، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنّوا جميعاً:

غــار الفتى لابن عمـــّه

رأس الفتـــى في حر أمه



الصوت الثالث



«البحتري»:

قلت متذكراً الفتح والمتوكل:

عسى آيس من رجعة الوصل يوصل

ودهر تولى بالأحبة يقبل

أيا ساكناً فات الفراق بنفسه

وحال التعازي دونه والتزيل

أتعجب لما لم يغل جسمي الضنى

ولم يخترم نفسي الحمام المعجل؟

فقبلك بان الفتح مني مودعاً

وفارقني شفعاً له المتوكل

فما بلغ الدمع الذي كنت أرتجي

ولا فعل الوجد الذي خلت يفعل

وما كل نيران الجوى تحرق الحشا

ولا كل أدواء الصبابة يقتل



الصوت الرابع



«عبّادة المخنّث»:

كان المتوكل قد بسط مني للدخول معه على كل حال، فدخلت عليه وهو نائم مع سوداء كان يحبّها؛ فلما رآني أمرها أن تغطي وجهها. فقلت: يا أمير المؤمنين ومن معك؟ قال: ويلك! وبلغ فضولك إلى هذا الموضع!، ومدت الجارية رجلها فبانت سوداء. فقلت: يا أمير المؤمنين؛ تنام ورجلك في الخف. فقال المتوكل: قم عليك لعنة الله! وضحك وأمر لي بصلة فأخذتها وانصرفت.



«يتبع»

 

طباعة