حين تتحول المأساة إلــــــــى «مسخرة»

يمكن البداية بالبديهيات ما دامت في المتناول ومتوافرة بكثرة، والحديث إلى ما لا نهاية عن الوحشية الاسرائيلية وآلة الفتك المروعة وكل العبارات التي صارت جاهزة وممطوطة من كثرة استخدامها، لا لشيء إلا لأن الموصوف مازال وفياً لها ومعززا لها بكل ما أوتي من قوة، وليترافق ذلك كشيء من البداهة أيضاً مع سباق مسعور على تحطيم الأرقام القياسية في عدد القتلى الفلسطينيين، وليكون في ذلك التغيير الوحيد الطارئ على ما يمتد لأكثر من 60 سنة، سباق أكثر حرية، وجاهزية صارت فطرية لدى العرب لاستقبالها بمزيد من الحزن الذي سرعان ما يقارب الملل، والذي لا يقف خلفه إلا الواقع نفسه، الواقع المناقض للطبيعة الإنسانية نفسها التي تضيق بتكرار الشيء نفسه، ولا شيء يتكرر في هذا العالم العربي الشاسع إلا القتل.

المسعى التاريخي الأكثر جلالاً يتمثل بألا يعيد التاريخ المأساة، لأنها حسب ماركس «في المرة الثانية ستتحول إلى مسخرة»، وهي كذلك حقاً حين تعاد المآسي إلى ما لا نهاية، وكل ما يحيط بمجزرة غزة يقودنا إلى ذلك، وعليه يتحول كل ما يفترض أنه في خدمة القضية الفلسطينية إلى شيء يدفع للرثاء والضحك، كونها أولاً وقبل أي شيء، ضالة ومضللة عن هدفها الرئيس، فالتظاهرات تصرخ وتنادي وتشجب ضد ما صار بديهياً أنه متوحش وقذر أي اسرائيل، لكن ماذا عن كل ما يحيط بنا؟ ماذا عنا أنفسنا؟ ماذا عن الرعاية الرسمية العربية لهذه التظاهرات ما دامت لن تغير شيئاً في النهاية؟

إنه عصر الصورة، بديهية أخرى تضاف على ما تقدم، لكن أي صورة، وأي عصر، إنها بالتأكيد صورتنا بوصفنا ضحية أبدية، والعصر يملي علينا أن نعيدها إلى ما لا نهاية، هذا من المكر الذي نتحلى به، والواقع الذي لا يقدم جديدا إلا التعامل مع التقتيل بصرخة مماثلة لـ «وامعتصماه» التي تصير مع مرور مئات السنين «فينكم يا عرب» والتي يليق بها استكمال الشاعر اللبناني أنسي الحاج لهذه العبارة بقوله «على اعتبار العرب هم الآخرون. ولا عربي إلا يسب العرب»، إنها مسخرة تكرار المآسي إلى ما لانهاية، والإفلاس المتأتي من واقع نشيح بوجوهنا عنه، إنه واقع كل بلد عربي على حدة، وكوارثه الخاصة التي تتيح لك أن تنصر غزة بالصوت والصورة، بعيداً عن أي شيء يقترب من كوارث حياة المندد اليومية.

خياران لا ثالث لهما، إما العبث وهذا ما يتسيد المشهد بامتياز، بوصفه نتيجة حتمية للمسخرة ، كوننا عاجزين عن ربط سيور حذاء كما استروجين في مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكت، وبالتالي انتظار هذا الغودو الذي لن يأتي، أو المسعى الجاد لتغيير كل شيء وبصيغة انقلابية على واقع لا شيء يتطور فيه إلا القمع وفق أحدث الأساليب- آخرها تنظيم التظاهرات بمباركة رسمية وتحويلها إلى مصارف صوتية- دون أن ننسى الجهل والتطرف والغوغائية والرعاية الكريمة للأنظمة العربية لها بوصفها الطريقة المثلى لاستمرار إسرائيل في القتل بدم بارد .

طباعة