عذب الكلمات

قال الشاعر معروف الراصفي:

 لقيتُها ليتني ما كنتُ ألقاها 
أثوابُها رثّةٌ والرجلُ حافيةٌ 
ماتَ الذي كان يَحمِيها ويُسعِدُها
الموتُ أفجَعَها والفقرُ أوجَعَها 
كرّ الجديدين قد أبلى عَباءَتها 
حتى غدا جسمُها بالبرد مُرتجفاً 
تمشي وتحملُ باليُسرى وليدتَها 
ما أنسَ لا أنسَ أنيّ كنتُ أسمعُها 
تقولُ يا ربّ لا تتركْ بلا لبنٍ
هذا الذي في طريقي كنتُ أسمعُه 
حتى دنَوتُ إليها وهي ماشيةٌ
وقلتُ يا أختُ مهلاً إنني رجلٌ 
هل تَسمحُ الأختُ لي أني أشاطرها
 فأرسلت نظرةً رعشاءَ راجفةً
وأجشهت ثم قالت وهي باكية
لو عمّ في الناس حسَنٌ مثل حسّك لي
هذي حكاية حال جئت أذكرها 
أولى الأنام بعطف الناس أرملةٌ
 تمشي وقد أثقل الإملاقُ مَمْشاها
والدمعُ تذرفُه في الخدِّ عيناها
فالدهرُ من بعدِه بالفقر أشقاها
والهمّ أنحلها والغمّ أضناها
فانشقّ أسفلُها وانشقّ أعلاها
كالغُصْن في الريح واصطكّت ثناياها
حملاً على الصدر مدعوماً بيُمناها
تشكو إلى ربّها أوصابَ دنياها
 هذي الرضيعةَ وارحمْني وإياها
منها فأثرّ في نفسي وأشجاها
وأدمُعي أوسعت في الخدّ مَجْراها
أشاركُ الناسَ طرّاً في بلاياها
ما في يدي الآنَ أسترضي بهِ اللهَ
ترمي السهام وقلبي من رماياها
واهاً لمثلك من ذي رقة واها
ما تاه في فلوات الفقر من تاها
وليس يخفي على الأحرار مغزاها
 وأشرف الناس من في المال واساها
طباعة