«الهولوكست».. وسيـلة لحصد الجوائـز
من فيلم «الكتاب الأسود». كمينغ سون
بينما يرى البعض أن اهتمام بعض مخرجين ومنتجين بالهولوكست مجرد مصادفة، يعتقد آخرون أن التركيز الإعلامي على مسألة مثيرة للجدل أمر مخطط، وله أهداف مشبوهة، إذ إن معظم الأعمال التي تناولت الحادثة متواضعة فنياً، واستغلها مؤلفون ومخرجون وممثلون للوقوف على منصات التكريم، وحصد الجوائز السينمائية الكبرى. ولم تقتصر الأعمال الفنية على الأفلام، بل شملت القصص المكتوبة، ومذكرات الناجين من المحرقة، والبرامج الوثائقية والمنوعة، والتي كان لها ظهور بارز على الساحة الثقافية والفنية في السنوات الـ10 الأخيرة.
واهتمت السينما الأميركية بقضايا عدة في انتاجها السينمائي منذ صعود نجمها أواسط القرن الماضي. إلا أن الآلة السينمائية العملاقة لم تسلم من الانتقادات بسبب تحيز المخرجين والمنتجين فيها إلى قضايا معينة، من دون غيرها. ففي الوقت الذي اُنتجت فيه أفلام قليلة تعدّ على أصابع اليد تتناول القضايا العربية والفلسطينية، تم انتاج عشرات الأعمال التي تناولت «معاناة اليهود» في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتعرّضهم لسوء المعاملة، والتعذيب من طرف النازيين. ويتساءل مراقبون عن جدوى التركيز على الأفلام التي تتناول مسألة المحرقة التي يعتقد أن اليهود تعرضوا لها، أو ما يُسمى «الهولوكست»، في الآونة الأخيرة، والكمّ الكبير من الأعمال التي تروي «المأساة اليهودية».
استثمار الفن
نظراً لأهمية الفن في حياة الناس، وتأثيره في ذاكرة الأمم، سعى القائمون على صناعة السمعي ـ البصري إلى استخدام السينما والتلفزيون للترويج لأفكار أحياناً ما تكون مغلوطة. ويتحمس ممثلون عالميون للعب أدوار في أفلام تمجد الضحايا اليهود في ألمانيا وأوروبا، وعادة ما يتم تكريم هؤلاء الممثلين في المهرجانات السينمائية.
ومن الأفلام الأخيرة التي انتجتها هوليوود في هذا الخصوص، فيلم «طفل البيجاما المخططة» الذي لعب فيه الممثل ديفيد ثيولست دور قائد أحد معسكرات تعذيب اليهود في ألمانيا النازية. كما لعب ويلم دافو الدور نفسه في فيلم «عودة آدم». ويظهر الممثل الأميركي الشهير توم كروز في فيلم «فالكيري»، بزي عسكري في دور العقيد ستراوس فو ستوفمبيرغ، والذي لم يكن مقتنعاً بالفكر النازي، ما جعله ينضم إلى مجموعة من العسكريين لقتل الزعيم النازي ادولف هتلر.
ولم يقتصر انتاج أفلام «المعاناة اليهودية» على استديوهات هوليوود، بل كان للأوروبيين نصيب مهم منها. ومن بين الأفلام الأوروبية التي عرضت في أوروبا وأميركا ولاقت اهتماماً كبيراً، فيلم «المزيفون» الذي نال جائزة الأكاديمية الأميركية عن أفضل فيلم أجنبي، في فبراير الماضي. إضافة إلى أفلام عدة من فرنسا، كان أهمها «سر» و«ستفهم ذات يوم» اللذين عرضا في الخريف الماضي على شاشات السينما الأميركية، وتتناول مسألة الذاكرة ومحاولات محوها، في إشارة إلى محاولة نفي تعرض اليهود للتعذيب والإبادة في ألمانيا النازية.
وتحرص جهات معينة على استمرارية عرض الأفلام وضرورة التطرق إلى المأساة المزعومة، حتى ولو من خلال مشاهد قصيرة، لكي تبقى المسألة عالقة في الأذهان. ويقول النقاد إن الإلمام بموضوع شائك مثل «المحرقة» ليس بالأمر السهل، سواء من خلال تناوله في السينما أوالروايات أو المسرح، خصوصاً أن المؤرخين يقولون إن ملايين اليهود الأوروبيين تعرضوا لمختلف أنواع التعذيب والتقتيل. وتتعدد القصص والروايات التي يسردها المؤرخون، وتختلف التفاصيل والحيثيات. ومن ثم؛ يتعين على المهتمين بهذه الحقبة «المظلمة» من التاريخ أن يقوموا بمزيد من البحث والتنقيب، وأن يستمعوا ويحللوا شهادات الناجين من «المحرقة»، من أجل معرفة الحقيقة والأبعاد المتشابكة للمعاناة.
عين على «الأوسكار»
دعا بعض الكتاب والفنانين والسياسيين، عقب الحرب العالمية، إلى تجنب مسألة «الهولوكست» وما تعرض له اليهود تحت حكم النازيين، ووصف بعضهم الخوض في الموضوع بمثابة محاولات عبثية وخارجة عن الواقع. إلا أن «المأساة» قد ألهمت المئات من الكتاب والمخرجين في أوروبا والولايات المتحدة، وأنتجوا كماً هائلاً من الأعمال الفنية، جعلت «الهولوكست» عالقة في الأذهان منذ انكسار النازية في 1945 إلى يومنا هذا. ولأن السينما تستقطب عدداً كبيراً من الجماهير عبر العالم، فقد تم التركيز على الفن السابع لعرض الأعمال التي جسدت المعاناة اليهودية، وكيف كان التعامل مع الضحايا على خلفية العرق والدين. وبالفعل تمكنت هوليوود والسينما الغربية من إعطاء صورة نمطية لليهودي المضطهد الذي تعرض لمعاملة لا إنسانية، ويجب تعويضه بشكل مستمر وبالحجم الذي يتناسب مع المعاناة التي يبدو أنها تحتاج إلى عشرات الأجيال لتُمحى من الذاكرة.
واستغل بعض المؤلفين والمخرجين والممثلين قضية المحرقة للحصول على الجوائز والتكريمات التي تقدمها المحافل الفنية العالمية. ويتساءل النقاد لماذا يقحم بعض الكتاب والسينمائيين الشباب أنفسهم في قضايا مثيرة للجدل مثل مسألة «الهولوكست»، وتقول الممثلة كيت وينسليت إن المشاركة في عمل متعلق بالمحرقة، ضمن للمخرج أو الممثل «الحصول على جائزة الأوسكار»، ويذكر أن وينسليت شاركت في فيلم «القارئ» الذي حاز الأوسكار.
ويقول المؤرخ، توني جودت، إن الألمان هم الأكثر فهماً لمأساة «الهولوكست» لأنهم هم «الجناة». وكأن اليهود مصممون على تذكير الألمان باستمرار أنهم ارتكبوا جرماً لا يغتفر، وأن الإحساس بالذنب سيبقى يلاحقهم إلى الأبد. والمشكلة أن هذا الجرم الألماني بات ذنباً غربياً، لأن ألمانيا جزء مهم من العالم الغربي. ولذا فعلى أوروبا والولايات المتحدة أن تدفعا الثمن أيضاً. ويذكر أن مسلسل «هولوكست» الذي عرض في 1979 في ألمانيا الغربية آنذاك، شاهده أغلب الألمان، على الرغم من قيمته الفنية المتواضعة التي لا ترقى به إلى مستوى التحفة الفنية.
الإحساس بالذنب
على الرغم من أن «الهولوكست» لم تكن جزءاً من التاريخ الأميركي، إلا أن الأعمال السينمائية والروائية جعلت منها قضية جوهرية في هوليوود. ومن خلال فيلم «قائمة شيندلر» الذي عرض في 1993، وكان الذهاب إلى السينما لمشاهدة الفيلم بمثابة واجب أخلاقي تقريباً، والكل يشجع على مشاهدته. وليس غريباً أن نعرف أن «قائمة شيندلر» فاز بالأوسكار، ووصف حينها بأنه عمل درامي متكامل. وشكل الفيلم نقطة تحول مهمة في الثقافة الأميركية. ويروي الفيلم قصة معاناة عدد من اليهود في معسكر نازي يُدعى «كريكاو»، وجسد بطولة بعض الضحايا وتكيفهم مع الوضع، وتمكنهم من البقاء على قيد الحياة. وجاءت الأفلام السينمائية والوثائقية بعد «قائمة شيندلر» لتركز على الأمل وتخطي الصعاب، عوضاً عن الإحباط والدمار.
وتحاول بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبولندا والنمسا الخروج من دائرة الاتهام والإحساس بالذنب والتخلص من عقدة «الإحساس بالذنب» بسبب مشكلة حدثت قبل أكثر من 60 عاماً. كما تطالب الشعوب في تلك الدول حكوماتها بعدم الرضوخ للابتزاز الذي تمارسه بعض الجهات، وأن تكون كتابة التاريخ بهدف التعرف إلى الماضي، والاستفادة من أخطاء الأجداد، وليس من أجل الوقوع في فخ الانتهازيين الذين يقتاتون على فتات التاريخ.
«سر»


عن «سينما ريفيو» «هيرالد تربيون»
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news