نوخذة إماراتي أوفى بوعده للبحر.. على امتداد 67 عاماً
في علاقةٍ تتجاوز حدود المهنة إلى ذاكرة المكان وهويته، لايزال النوخذة الإماراتي، صالح محمد حنبلوه، من منطقة الرمس في رأس الخيمة، وفي عمر الـ74، يمضي في رحلته مع البحر، مستنداً إلى خبرةٍ بدأت ملامحها الأولى في السابعة من عمره، حين رافق والده وتعرّف إلى أسرار الحياة البحرية، وعلى امتداد نحو 67 عاماً ظل البحر حاضراً في تفاصيل يومه، ليس بوصفه مجالاً للعمل فحسب، بل بوصفه إرثاً ثقافياً وإنسانياً يحرص على صونه ونقله إلى الأجيال الجديدة، لتبقى حكاياته ومفرداته وطرائق العيش فيه جزءاً من الذاكرة الإماراتية الحيّة.
ويعدّ حنبلوه نفسه من أقدم النواخذة الإماراتيين الذين لايزالون يمارسون المهنة، إذ لم تتوقف علاقته بالبحر عند قيادة السفن، بل اتسعت لتشمل توثيق تراثه والتعريف بتفاصيل الحياة البحرية، موظفاً خبراته الطويلة في محاضرات يلقيها في المدارس والجامعات، إلى جانب اقتناء الأدوات البحرية التراثية وعرضها، والمشاركة في محافل خارجية يحمل إليها ملامح من تراث بلاده، مؤمناً بأن صون هذا الموروث لا يتحقق بحفظ أدواته وحدها، بل بإبقاء معارفه وحكاياته حيّة في وجدان الأجيال.
وفي مستهل حواره مع «الإمارات اليوم» استذكر النوخذة حنبلوه دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في ترسيخ أهمية التمسّك بالتراث، ومقولاته، حول ذلك، إذ «من ليس له ماضٍ.. ليس له حاضر»، مشدداً على ضرورة تعريف الأطفال بالموروث البحري، وتقريب تفاصيل حياة الآباء والأجداد إليهم من خلال مقتنيات الأدوات التي ارتبطت بحياتهم. وأشار إلى دور القيادة الرشيدة في دعم جهود الحفاظ على التراث البحري، وصون مفرداته ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بما يعزّز ارتباطها بالهوية الوطنية.
وأوضح أن حكايته مع البحر بدأت مبكراً حين اصطحبه والده في رحلاته وهو طفل في السابعة، ليتعرّف إلى حياة البحّارة وأعمالهم، وبعد سبع سنوات، عهد إليه والده بأولى مهامه نوخذة، وهو في الـ14، ليجد نفسه مسؤولاً عن فريق يكبره جميع أفراده سناً.
ولم تكن بداية تجربته في القيادة منفصلة عن توجيهات الأب، الذي وضع أمامه درساً ظل حاضراً في ذاكرته طوال مسيرته، إذ استعاد وصية والده الذي نبّهه إلى أن تولّيه مهمة النوخذة لا يلغي مكانة البحّارة الأكبر منه، وأن عليه احترامهم وتقدير خبرتهم والاستماع إليهم، فالبحر يحتاج إلى المعرفة المتراكمة التي تصنعها التجارب، وحملت تلك الوصية للنوخذة الصغير معنى المسؤولية قبل السلطة؛ إذ كان عليه أن يقود رجالاً سبقوه إلى البحر، مستفيداً من خبراتهم، ومحافظاً على الاحترام الذي يجمع أفراد الطاقم.
تحوّل الملاحة
وشهد حنبلوه تغيّرات واسعة في أدوات العمل البحري، معتبراً أن دخول المحركات وأجهزة تحديد المواقع (جي بي إس) سهّل مهمة النوخذة مقارنة بالماضي، حين كانت الرحلات تعتمد على الأشرعة والمجاديف، والاستدلال بالنجوم والقمر والمعارف الفلكية لتحديد الاتجاهات في الذهاب والعودة، ويربط حديثه عن هذه التحوّلات بتجربته الممتدة بين مرحلتين، تعرّف خلالهما إلى أساليب الملاحة القديمة، ثم واكب الوسائل الحديثة التي اختصرت كثيراً من الجهد في قيادة السفن وتحديد مساراتها.
وتحضر «النهمة» في ذاكرة حنبلوه بوصفها جزءاً أساسياً من الحياة البحرية، بما تتضمنه من أهازيج رافقت البحّارة أثناء رحلاتهم وأعمالهم، مضيفاً أنه علّمها لكل من رافقه وعمل معه، وكذلك لبعض الطلبة الذين زاروه، وحرص على تعليمها في الأعياد والمناسبات، لتبقى حاضرة لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب مهارات المهنة وأدواتها وتفاصيل حياة أهل البحر.
ذاكرة محفوظة
وامتد اهتمام حنبلوه بالتراث إلى إنشاء متحفه، الذي حمل في بداياته اسمَي «متحف زايد البحري التراثي» و«متحف السنيار»، ويضم مقتنيات قديمة يعود عمر بعضها إلى أكثر من 200 عام، من أبرزها الفخاريات، إلى جانب معروضات مرتبطة بالحياة البحرية والألعاب الشعبية، ومنها «الشاحوفة البحرية»، بحسب وصفه، منوهاً بأن إنشاء المتحف كان هدفاً شخصياً عمل لتحقيقه، مستثمراً شغفه في جمع المقتنيات والحفاظ عليها، وإتاحتها للتعريف بجوانب من حياة الأجيال السابقة.
وتعرّض المتحف عام 2014 لحريق نجم عن عطل كهربائي، قدّر حنبلوه خسائره بنحو 350 ألف درهم. غير أن الحادث لم ينهِ مشروعه؛ إذ أعلن عزمه على إعادة المتحف. وأكد أنه أوفى بوعده بمساندة زوجته وأبنائه وبناته وإخوته وأخواته، لتصبح استعادة المتحف تجربة عائلية اشترك فيها الجميع، ودعماً لاستمرار مشروعه التراثي.
حكاية الجالبوت
وفي سياق اهتمامه بالموروث البحري، ذكر حنبلوه أنه أنفق 50 ألف درهم من ماله الخاص على «جالبوت»، ضمن جهوده في الحفاظ على عناصر هذا التراث والتعريف بها، موضحاً أن الجالبوت استُخدم للغوص والسفر والصيد، رابطاً اهتمامه به بتعريف الأطفال بأوجه استخدام السفن في الماضي، وما مثّلته في حياة أهل البحر ومصادر رزقهم. وتعكس هذه المبادرة ارتباطه بمشروع يتابع تفاصيله بنفسه، ويخصص له من وقته وماله، إلى جانب استمراره في ممارسة مهنة النوخذة.
معرفة متنقلة
ولا ينتظر حنبلوه أن يأتي الطلبة إلى مقتنياته، بل يذهب إلى المدارس مصطحباً أدوات ومعروضات تراثية، ليستعين بها في شرح حياة أهل البحر، ويقرّب للجيل الجديد ما يتحدث عنه من خلال المشاهدة. كما يقدم محاضرات في الجامعات، ويدعو إلى تخصيص حصة مدرسية للتراث، يتعرّف خلالها الطلبة إلى العادات والتقاليد ومفردات الحياة القديمة.
وشملت مشاركاته التعريفية بالتراث البحري الكويت وتايلاند، إلى جانب حضوره في أيام الشارقة التراثية، ومشاركته في «إكسبو 2020 دبي» على مدى ستة أشهر. ومن خلال تلك المشاركات، ينقل حنبلوه جانباً من تجربته إلى جمهور متنوّع، مستعيناً بمعرفته بالمهنة ومقتنياته في تقديم صورة عن التراث البحري الإماراتي.
رسالة للجيل الجديد
من حصيلة تجربته وخبراته الطويلة، يوصي النوخذة، صالح حنبلوه، الجيل الجديد والشباب بتحديد أهدافهم مبكراً، خصوصاً مع وصولهم إلى المرحلة الثانوية، والتركيز على المجال الذي يرغبون في مواصلة حياتهم فيه.
ويستشهد بهدفه في إنشاء المتحف البحري، وما بذله لتحقيقه من جهد، داعياً إلى الصبر والعمل والتمسك بالاختصاص، حتى يتحوّل الشغف إلى إنجاز ملموس يخدم صاحبه ومجتمعه.
صالح حنبلوه:
• علّمتُ «النهمة» لكل من رافقني وعمل معي، وكذلك لبعض الطلبة لتبقى حاضرة لدى الأجيال الجديدة.
• لدي مقتنيات يعود بعضها إلى أكثر من 200 عام، من أبرزها الفخاريات، ومعروضات مرتبطة بالبحر.