«ياسمينة في مغارة الدم».. حين ينزف الوطن
في عمل روائي فريد حمل عنوان «ياسمينة في مغارة الدم»، يخط الأديب رفعت إسماعيل بوعساف، اسمه بثقة في قائمة الصف الأول من المبدعين، ناسجاً حكاية آسرة، تتعانق فيها جماليات السرد مع عمق الفكرة، وتأخذ القارئ إلى عوالم مشحونة بالدهشة والأسئلة.
رواية «ياسمينة في مغارة الدم» التي صدرت حديثاً عن «دار سائر المشرق في لبنان»، تتميز بثراء لغوي يتمازج بين أناقة الوصف وجزالة المعنى.. ثراء يحرك خيوط الحكاية باحترافية سردية وإشراقات فكرية دقيقة، إذ استطاع الكاتب أن يصوغها بصور تأملية جذّابة، وبسياقات باهرة فتّانة، تستدرج القارئ ليعيش الحكاية ويسبر أغوارها، ويقف على تخوم المكنون والمعنى بين ماض استبدادي، وحاضر أكثر استبداداً، ومستقبل بلا وطن.
ففي مقاربة بليغة بين الدراما الإنسانية والتاريخ، استحضر الكاتب في روايته أحداثاً أليمة شهدتها سوريا منذ عام 2011 وما رافقها من صراعات وعنف ونزوح، وبرع في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل «المُتخيَّل» عبر لغة أدبية مدججة بالمعاني، مشبعة بالعمق الإنساني، قادرة على حبس أنفاس القارئ ودفعه لاهثاً خلف ماراثون من أحداث ملحمية متشابكة تتغلغل في خبايا ديانات وحضارات قديمة من السومرية والكنعانية إلى الآرامية.. خبايا ولقى خفية أعادت إحياءها «عاجية إبراهيم» كاشفة خلفها جماعات سرية وأسرار موغلة في تلك الأزمان لا تزال تداعياتها تطاردنا حتى الحاضر.
الأجمل والموجع في الحكاية توازياً، أن الكاتب امتلك القدرة على التحليق بمشاعر القارئ عبر جناحي «إبراهيم»، الذي لم يكن بطل الرواية فحسب، بل قصة وطن مزقته الصراعات التاريخية والدينية والطائفية حتى أفضت به إلى العجز والانكسار وانطفأت روحه: «ليست هذي المرة الأولى التي تسرق فيها قطع روحك وتصادر نفائس سيرك وأنباضك المعتقة يا شام. مقدور عليك أيتها الحبيبة تلقي طعنات الطامعين.. جميعاً غاروا منك واعتزموا أن يغتالوك كما يحدث الآن (ص140/139)».
قصة «إبراهيم» الذي يعاني تمزقاً عقائدياً وقيمياً وإنسانياً، تختصر حكاية وطن نازف، شاركت في جريمة اغتياله خناجر الاتفاقات الدولية المبرمة في الخفاء، والأصدقاء/الأعداء، لا سيما خلال العهدين البائد والسائد.
«إبراهيم»، لم يكن سوى صورة للسوريين المغدورين. المقهورين والمظلومين؛ فبقدر ما كانت روحه تسمو بحب الوطن، بقدر ما كان عاجزاً عن احتمال ما يحدث في هذا الوطن الذي أزهقته رصاصات الديكتاتورية، وسكاكين التنظيمات الإرهابية. وهنا برزت قدرة الكاتب في حبكة الرواية التي جعلتنا كلنا «إبراهيم».. ذلك السوري الذي باع وشقيقه كليتيهما للهجرة إلى المجهول، لكنه لم يبع الوطن.
وفي مداد السردية الروائية، يكشف الكاتب، كيف جرى تسميم المجتمع السوري الجميل بتنوعه الإنساني والثقافي والحضاري، بالأفكار الراديكالية المتطرفة والغلو الطائفي، من قبل تنظيمات متشددة، حتى غدا هذا التنوع ضحية لتناحرات العقيدة والهوية والقيم. كل على فتواه. وهنا برزت حذاقة الكاتب الذي أتقن استخدام مشرطه الأدبي في تشريح الماضي والحاضر والمستقبل بسردية بانورامية مدهشة.
ومن خلال التفاصيل الدقيقة لشخصيات الرواية، نجح الكاتب، في فضح «لعبة النار» التي أدخلت الوطن في أتون صراعات عقائدية وطائفية وإثنية، كان السوريون وقودا لها، ودفعوا ثمنها من دمهم ومصيرهم وذاكرتهم، كما فضح في سياق الرواية، أجندة الجماعات الظلامية التي سعت إلى «أسلمة» المجتمع السوري على طريقة «داعش» تحت شعارات دينية رنانة ورايات سوداء مقيتة تنحر على مذبحها المتشدد كل شيء جميل، وتقدمها «قرابين طاعة» لقوى دولية خفية توظّف هذه المشاريع لخدمة مصالحها وللتحكم بمصائر السوريين. ودللت الرواية على مثل هذه النماذج من خلال شخصية «الصديق/العدو» لإبراهيم «الشيخ جبار».. ذلك الانتهازي النفعي الذي تحول من مخبر «بعثي» إبان العهد الساقط، إلى شخصية «داعشية» تتاجر بآلام وأعضاء المعوزين وجراح الوطن لمصلحة التنظيم الإرهابي ومشغليه، بتنسيق كامل مع أزلام من النظام البائد.
«ياسمينة في مغارة الدم».. رواية من العيار الأدبي الثقيل، مكتنزة بالتشويق والدلالات، والميثولوجيا الإنسانية، تفتح أمام القارئ باباً واسعاً على تساؤلات وجودية ستظل مشرّعة على تأويلات لا تنتهي.