حافظ سير البنّائين القدامى في الإمارات: بصماتهم منقوشة على ذاكرة الوطن

أكد الكاتب والباحث في التاريخ والتراث، حسن علي عبدالرحمن آل غردقة، أن البنّائين الإماراتيين القدامى الذين أسهموا في تشكيل الهوية العمرانية للدولة، من خلال تشييد القلاع والحصون والقصور والأسواق والبيوت التقليدية، لم تحظ جهودهم بالتوثيق الكافي في الدراسات التاريخية، التي ركزت على المباني ومواصفاتها، دون التطرق إلى سِيَر الأشخاص الذين شيدوها، رغم ما قدموه من إسهامات في تأسيس الإرث العمراني الإماراتي.

وقال حسن علي لـ«الإمارات اليوم»، إن كتابه «البنّاؤون القدامى في الإمارات» الذي يوثق سِيَر نحو 120 بنّاء من مختلف إمارات الدولة، ويتناول تطور أساليب البناء والمواد المستخدمة خلال فترة تمتد إلى نحو 100 عام، استغرق إعداده نحو عامين، موضحاً أن الفكرة جاءت تقديراً للبنّائين القدامى، الذين قامت على سواعدهم العديد من المعالم التاريخية التي لاتزال شاهدة على تطور العمران الإماراتي، إذ إن معظم البحوث السابقة اهتمت بتوثيق أشكال المباني القديمة وخصائصها الفنية والإنشائية، بينما لم تمنح البنّائين أنفسهم الاهتمام الذي يستحقونه.

وأضاف: «يمثل حفظ سِيَر البنّائين تكريماً مستحقاً لرجال أسهموا في تشييد معالم الإمارات التاريخية، فتوثيق تاريخ العمارة لا ينبغي أن يقتصر على الحجارة والجدران والتصاميم، بل يجب أن يشمل أيضاً الرجال الذين أقاموا هذه المباني، وتركوا بصماتهم في ذاكرة الوطن. كما أن توثيق التاريخ العمراني لا يكتمل بالتعريف بالمبنى ومواد إنشائه وحدها، بل يتطلب معرفة الأشخاص الذين نفذوه، والمهارات التي امتلكوها، والظروف التي عملوا خلالها، إذ إن هؤلاء الحرفيين كانوا جزءاً أساسياً من تطور المجتمع، والمحافظة على سِيَرهم تمثل جانباً مهماً من صون الذاكرة الوطنية».

على خطى الوالد

وأشار حسن علي إلى أن مهنة البناء ارتبطت في كثير من الأحيان بالعائلات، إذ كان الأبناء يتعلمون من آبائهم أو من الحرفيين المتمرسين، قبل أن يكتسبوا المهارات التي تؤهلهم للعمل بصورة مستقلة. ونوه بأن والده، رحمه الله، كان أحد البنّائين القدامى في الإمارات، وتوفي منذ أكثر من 30 عاماً، مستدركاً أن انتماء أبيه إلى المهنة لم يكن الهدف الأساسي وراء إعداده للكتاب، وإنما جاء المشروع انطلاقاً من الرغبة في توثيق سِيَر البنّائين جميعاً، وإنصاف فئة لم تنل حقها من البحث التاريخي. ولفت إلى أن توثيق تجارب الحرفيين القدامى يكتسب أهمية خاصة مع رحيل العديد منهم، لذا تبرز ضرورة جمع الشهادات والمعلومات والصور والوثائق التي تحتفظ بها أسرهم، قبل ضياع تفاصيل مهمة تتعلق بتاريخ المهنة وأساليبها.

شخصيات

وحول أبرز الشخصيات التي تناولها، أفاد حسن علي بأن محمد أحمد البنّا يعد من أشهر البنّائين القدامى، نظراً إلى أهمية المشروعات التي أشرف عليها وتنوعها، سواء داخل الإمارات أو خارجها، فمن أبرز الأعمال التي ارتبطت بتجربته أعمال في قصر الحصن بأبوظبي، ومربعة العين، إلى جانب قصور ومشروعات عمرانية في دبي، كما أن نشاطه امتد إلى الكويت والبحرين.

واعتبر أن التعريف بتلك الشخصيات يتيح للأجيال الجديدة معرفة أصحاب الخبرات الذين شاركوا في إنشاء المعالم التاريخية، بدلاً من الاكتفاء بمعرفة أسماء المباني وتواريخها. وأوضح أن مهنة البناء قديماً اعتمدت بصورة أساسية على المهارة اليدوية والتعلم بالممارسة، إذ كان الجديد في المهنة يبدأ بمساعدة البنّائين في تجهيز المواد ونقلها، ثم يتدرج في تنفيذ الأعمال الإنشائية حتى يتقن أساليب البناء المختلفة، كما أن البنّاء لم يكن مسؤولاً عن تشييد الجدران فقط، بل كان يمتلك معرفة بخصائص المواد ومصادرها، وكيفية تجهيزها وتوظيفها بما يتناسب مع طبيعة المشروع والبيئة المحيطة به. فالمواد كانت تُجهّز في كثير من الأحيان داخل موقع العمل نفسه، إذ تُصنع قوالب الطين وفق احتياجات المبنى، وتُترك لتجف قبل استخدامها، بينما يجري إعداد المواد الأخرى بالاعتماد على خبرة الحرفيين، إذ إن معامل إنتاج مواد البناء لم تكن متوافرة بالشكل المعروف حالياً، وإنما بدأت بالظهور مع دخول الطابوق الحديث وتطور قطاع الإنشاءات، بعدما كان العمل يعتمد على الموارد المحلية والاجتهادات المهنية للبنّائين.

تنوع الأساليب

وقال حسن علي إن العمارة الإماراتية القديمة تميزت بتنوع أساليب البناء تبعاً لطبيعة البيئة، إذ اختلفت المواد المستخدمة في المناطق الساحلية عن تلك التي اعتمد عليها سكان الصحراء والواحات والجبال. وذكر أن مواد البناء القديمة كانت بسيطة ومتوافرة في البيئة المحلية، ومن أبرزها الحجر الجبلي والحجر المرجاني والطين والجص والنورة، فضلاً عن الأخشاب التي كان بعضها محلياً، بينما يُستورد بعضها الآخر من الخارج. أما الجص فكان يؤدي دور المادة الرابطة بصورة مشابهة لوظيفة الإسمنت في الوقت الحاضر، بينما استخدمت جذوع النخيل وجريده في أعمال التسقيف، إلى جانب الأخشاب المرتبطة بأشجار القرم أو المانغروف، كما أن اختيار المواد كان يرتبط بطبيعة المبنى والموارد المتاحة وتكاليف الإنشاء، فالبنّاؤون تمكنوا من استخدام هذه العناصر في إقامة مبانٍ متنوعة، من المساكن البسيطة إلى القصور والقلاع والحصون، وفق الباحث الذي لفت إلى أن بناء الحصون والقصور كان الأكثر كلفة، بالنظر إلى حجمها وكميات المواد المطلوبة لإنشائها، فضلاً عن الوقت والجهد اللازمين لتنفيذها، في حين كان العريش الأقل كلفة بسبب توافر مواده محلياً وسهولة الحصول عليها، وهذه الميزة جعلت العريش من أنماط البناء الشعبي المنتشرة قديماً، إذ كان بإمكان الأسر محدودة الدخل إنشاء مساكنها باستخدام المواد التي توفرها البيئة المحيطة.

تبريد طبيعي

وأشار حسن علي إلى أن البنّائين الإماراتيين القدامى امتلكوا خبرات مهمة في التعامل مع الظروف المناخية، وتمكنوا من ابتكار حلول معمارية تساعد على تخفيف الحرارة داخل المنازل، في زمن لم تكن فيه الكهرباء وأجهزة التكييف متوافرة، إذ إن الجدران السميكة التي استخدمت في عدد من المباني التقليدية، ساعدت على إبطاء انتقال الحرارة، بما يوفر ظروفاً داخلية أكثر اعتدالاً، بينما أسهمت الأفنية الداخلية وفتحات التهوية في تحسين حركة الهواء وتوفير الظلال، مضيفاً: «البراجيل شكّلت أحد أبرز عناصر العمارة التقليدية، إذ اعتمد تصميم البرجيل على التقاط الهواء من الخارج وتوجيهه إلى داخل المنزل، وهذه الوسيلة كانت تسهم في خفض الحرارة داخل بعض البيوت بنحو ست درجات، مقارنة بالأجواء الخارجية. كما أن تصميم السكك الضيقة والجدران المرتفعة في الأحياء القديمة ساعد على توفير الظل وتخفيف التعرض المباشر لأشعة الشمس، بينما أتاحت الأفنية الداخلية مساحات للتهوية، مع المحافظة على خصوصية الأسر». وتابع: «العمارة القديمة لم تقتصر على الجوانب الوظيفية، بل تضمنت عناصر جمالية، من بينها النقوش الجصية والزخارف التي زينت البيوت، فضلاً عن التصاميم الخاصة بالبراجيل التي جمعت بين دورها في التهوية وقيمتها المعمارية. وهذه الحلول تعكس معرفة البنّائين بطبيعة المناخ المحلي، وقدرتهم على توظيف مواد البناء والتصميم الهندسي للتكيف معه».

رسالة إلى الجيل الجديد

قال صاحب «البناؤون القدامى في الإمارات»، إن كتابه لا يقتصر على جمع السير الشخصية، بل يهدف أيضاً إلى تسجيل تطور المهنة وأدواتها وموادها وأساليبها، بوصفها جزءاً من التاريخ الاجتماعي والعمراني للدولة، مشدداً على أن التراث الإماراتي لايزال يضم موضوعات عديدة تستحق البحث والتوثيق، لذا ينبغي استمرار الجهود الرامية إلى جمع الروايات الشفوية والوثائق والصور التي تسلط الضوء على حياة الأجيال السابقة ومهنها.

ودعا الشباب إلى الاهتمام بالبحث في التاريخ المحلي وتوثيق تجارب أصحاب المهن القديمة، حتى لا تضيع أسماء الشخصيات التي أسهمت في بناء المجتمع، وما قدمته من خبرات وإنجازات لاتزال آثارها حاضرة في مختلف إمارات الدولة.

حسن آل غردقة:

• التاريخ العمراني لا يكتمل بالتعريف بالمبنى ومواد إنشائه وحدها، بل يتطلب معرفة الأشخاص الذين نفّذوه، والمهارات التي امتلكوها.

• توثيق تجارب الحرفيين القدامى يكتسب أهمية خاصة مع رحيل العديد منهم، لذا تبرز ضرورة جمع الشهادات والوثائق التي تحتفظ بها أسرهم.

• 100 عام تغطيها الفترة الزمنية التي ينتمي إليها البناؤون في الكتاب.

الأكثر مشاركة