مكتبة محمد بن راشد.. دبي تصون كنوز المعرفة بأدوات المستقبل
من خريطة بطلمية مذهبة للجزيرة العربية وذخائر وكنوز نادرة، إلى روبوتات ذكية وتقنيات للرقمنة والذكاء الاصطناعي، تجمع مكتبة محمد بن راشد في دبي بين قرون من تاريخ المعرفة وأدوات المستقبل، فمنذ افتتاح أبوابها للجمهور في يونيو 2022، لم تقتصر مهمة الصرح الحضاري على إتاحة الكتب لعشاق الأدب والفكر والمعرفة، بل امتدت إلى حفظ المخطوطات والوثائق، ودعم جهود البحث والنشر والترجمة، وتنظيم المعارض والفعاليات الثقافية المهمة، وكل ذلك، ضمن مشروع رائد يستهدف تعزيز القراءة، وإنتاج المعرفة وحفظها ونشرها، ونموذج متفرد يجمع بين صون الذاكرة وأدوات المعرفة الحديثة.
وتم تشييد مكتبة محمد بن راشد، المطلة على خور دبي، على مساحة تغطي أكثر من نصف مليون قدم مربعة، ما بين مساحة الأرض ومساحة المبنى المؤلف من سبعة طوابق، بكلفة إجمالية بلغت نحو مليار درهم، كما تضم تسع مكتبات متخصصة، هي: العامة والإمارات والشباب والطفل والمجموعات الخاصة والخرائط والأطالس والفنون والإعلام والأعمال والدوريات، إضافة إلى مركز للمعلومات. فيما بلغ محتواها من الكتب عند افتتاحها، أكثر من 1.1 مليون كتاب ورقي ورقمي باللغات العربية والأجنبية، إضافة إلى ملايين الرسائل العلمية، وآلاف الدوريات والصحف والمواد السمعية والبصرية.
وبعد مرور أربعة أعوام فحسب على إنشائها، كشفت بيانات رسمية عن اتساع نطاق المحتوى والإقبال على هذا الصرح المعرفي الفريد في دبي، إذ استقبلت المكتبة أكثر من 2.5 مليون زائر، وما يقارب 11 ألف زيارة لوفود دبلوماسية ورسمية ومؤسسات تعليمية ومدرسية على مدار السنوات الأربع، في الوقت الذي تجاوز فيه عدد أعضائها 41 ألفاً من مختلف الفئات، وإجمالي الإعارات أكثر من 53 ألف إعارة.
أما مقتنياتها، فتجاوزت 1.3 مليار مصدر معرفي رقمي بأكثر من 90 لغة، إلى جانب نحو 760 ألف مادة معرفية مطبوعة، فيما سجلت مكتبتا الأطفال والشباب أكثر من 126 ألفاً و500 زيارة.
معرض دائم
في «معرض الذخائر» الدائم، تحتفظ مكتبة محمد بن راشد بأكثر من 300 قطعة نادرة تشمل مخطوطات وطبعات أولى ومواد وثائقية وإصدارات تاريخية، فيما يعود بعض ما تضمه مجموعاتها النادرة إلى القرن الـ13 الميلادي، ومن مقتنياتها طبعة عربية للقرآن الكريم صدرت في هامبورغ عام 1694، والطبعة الأولى من كتاب «وصف مصر» الصادرة بين عامي 1809 و1828.
وتضم الكنوز النفيسة أيضاً، خريطة بطلمية مذهبة وملونة للجزيرة العربية مطبوعة عام 1482، وخرائط أوروبية وعثمانية للجزيرة العربية تعود إلى الفترة من القرن الـ15 إلى الـ19، إلى جانب أطالس للنجوم والملاحة والخيل والصقور وطبعات أولى من كتب الرحلات إلى المنطقة. كما تشمل المقتنيات نسخة من صحيح البخاري تعود إلى العصر المملوكي، مكتوبة بخط النسخ ومزخرفة بالتذهيب والألوان.
بين التكنولوجيا والذاكرة
ولا يقتصر التعامل مع التراث على مجرد عرضه، إذ عمل «مركز الترميم» في مكتبة محمد بن راشد، وفق بيانات 2026، على نحو 150 قطعة من المخطوطات والدوريات باستخدام تقنيات الحفظ والترميم الحديثة، كما أطلقت المكتبة مشروع «أرشيف دبي» لحفظ الذاكرة الثقافية والتاريخية للإمارة، وتوثيق مراحل تطورها.
وفي الجهة الأخرى من التجربة، تستخدم المكتبة أحدث تقنيات المكتبات والذكاء الاصطناعي، وتشمل مخزناً آلياً ونظاماً إلكترونياً لاسترجاع الكتب وأكشاك الخدمة الذاتية ومختبراً لرقمنة الكتب وروبوتات ذكية للرد على استفسارات الزوار، إلى جانب تقنيات الواقعين المعزز والافتراضي، كما تعتمد مبادرة «عالم بلغتك» الذكاء الاصطناعي لإتاحة محتوى معرفي مترجم، وصل نطاقها إلى 12 لغة.
ويتجاوز نشاط مكتبة محمد بن راشد القراءة والإعارة، إذ شهدت منذ افتتاحها وحتى العام الجاري نحو 750 فعالية ثقافية وأدبية وفنية ومعرفية، شملت معارض وندوات وورش عمل وجلسات حوارية. ومن بينها معرض الصحافة العربية الذي ضم أكثر من 500 دورية محلية وعربية ودولية، إضافة إلى استضافة ودعم «تحدي القراءة العربي» سنوياً، ومهرجان طيران الإمارات للآداب، والنسخة السادسة من مؤتمر «ويكي عربية»، وملتقيات أدبية وفكرية متنوعة.
حضور عالمي
وإلى جانب الفعاليات، عززت المكتبة حضورها في المحافل الثقافية والمهنية عبر مشاركات متنوعة في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، ومعرض القاهرة الدولي، والاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA)، ومعرضي أبوظبي والشارقة للكتاب، إضافة إلى مشاركتها في المؤتمر العام للمجلس الدولي للمتاحف «آيكوم دبي» وقمة المعرفة.
كما نظمت، بمشاركة أكثر من 25 دولة، قمة دبي الدولية للمكتبات والنشر لعامين متتاليين، إذ ترافق ذلك مع حصول المكتبة على جائزة أفضل مكتبة ومؤسسة معلومات عربية وجائزة التميز في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما اختيرت لجائزة شخصية العام الثقافية ضمن جائزة العويس للإبداع في دورتها الـ28 لعام 2023.
مسار معلن
تضع مقومات مكتبة محمد بن راشد ذلك الصرح المعرفي في دبي بمساحة تتجاوز الصورة التقليدية للرفوف والإعارة، فالمخطوطة والخريطة والطبعة التاريخية تجاور قواعد البيانات والرقمنة والذكاء الاصطناعي، بينما تتوزع مهام المكتبة بين القراءة والبحث والترميم والنشر والترجمة والفعاليات والتبادل الثقافي، فمن دبي، يجتمع حفظ ما أنتجته المعرفة عبر القرون، مع تطوير وسائل جديدة لإتاحتها للأجيال المقبلة، في مسار يرتبط منذ إطلاق المشروع بهدف معلن هو تعزيز القراءة ونشر المعرفة ودعم الباحثين والمبدعين والعلماء، والمشاركة في صنع جيل جديد من القراء، لاسيما من أجيال المستقبل.
• «مركز الترميم» في المكتبة عمل على نحو 150 قطعة من المخطوطات والدوريات.
• 300 قطعة نادرة تشمل مخطوطات وطبعات أولى ومواد وثائقية وإصدارات تاريخية في المكتبة.
• 2.5 مليون زائر، و11 ألف زيارة لوفود دبلوماسية ورسمية ومؤسسات تعليمية في 4 سنوات.