الإمارات تقرأ العالم.. «أبوظبي للكتاب» يفتح الصفحة الـ 35 اليوم

تفتتح الإمارات، اليوم، صفحات جديدة من الحوار الثقافي والمعرفي، مع انطلاق الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، خلال الفترة من 13 إلى 18 الجاري في مركز أبوظبي الوطني للمعارض (أدنيك)، تحت شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم». وتحمل الدورة هذا العام ملامح مشروع ثقافي يتجاوز فكرة المعرض التقليدي للكتاب، ليتحوّل إلى مساحة واسعة تلتقي فيها صناعة النشر بالأدب والفكر والفنون والتعليم والابتكار والحوار بين الثقافات.

وتأتي الدورة الجديدة في محطة لافتة من مسيرة المعرض الممتدة على 35 عاماً، إذ يشارك فيها عارضون من 95 دولة، فيما يضم برنامجها نحو 1500 فعالية، بمشاركة أدباء ومفكرين وأكاديميين وشخصيات من مجالات الثقافة والفنون والمعرفة. وتتوزّع الفعاليات وفق ثلاثة محاور رئيسة هي: الثقافة العالمية والحوار الحضاري، والابتكار وصناعة المستقبل، والفنون والتجارب الثقافية الحية، بما يعكس اتساع مفهوم الكتاب في رؤية أبوظبي، من منتج معرفي إلى بوابة للتفاعل مع العالم.

شعار

ولا يأتي شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» بوصفه عبارة ترويجية فحسب، بل يلخص توجهاً واضحاً للدورة في التعامل مع القراءة باعتبارها وسيلة لفهم الآخر، واكتشاف الثقافات، وتوسيع مساحة الحوار الإنساني. فالفعل الأول في الشعار يحيل إلى الكتاب بوصفه نقطة البداية، بينما ينقل الفعل الثاني القراءة من حدود النص إلى فضاء العالم، بما يحمله من لغات وتجارب وأسئلة وتحولات.

وتنسجم هذه الرؤية مع المكانة التي يسعى المعرض إلى ترسيخها بوصفه منصة دولية تجمع الناشرين والمؤلفين والمبدعين وصناع القرار الثقافي، وتفتح المجال أمام تبادل الأفكار والخبرات، بالتوازي مع دعم صناعة النشر والصناعات الثقافية والإبداعية.

حضور التراث

ويحضر التراث العربي بقوة في الدورة الـ35 من خلال اختيار الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية محورية للمعرض، في استعادة لإحدى أهم الشخصيات التي أسهمت في تأسيس علوم اللغة العربية. ويستعيد المعرض من خلاله تجربة عالم لم يقتصر أثره على اللغة، بل امتد إلى علم العَروض والموسيقى والأوزان الشعرية، فضلاً عن تأليفه كتاب «العين»، الذي يعد من أقدم المعاجم العربية وأكثرها أهمية في تاريخ صناعة المعجم العربي.

ويكتسب هذا الاختيار دلالة خاصة في معرض يرفع شعاراً يدعو إلى قراءة العالم؛ إذ تبدأ القراءة من استعادة المنجز المعرفي العربي، لا باعتباره ماضياً مغلقاً، وإنما بوصفه رصيداً يمكن إعادة قراءته واستثماره في صناعة المعرفة المعاصرة. ومن هنا يتحول الفراهيدي إلى حلقة وصل بين تاريخ اللغة وأسئلة المستقبل، والكتاب بوصفه ذاكرةً وأداةً لإنتاج المعرفة.

وللمرة الأولى، يستهل المعرض فعالياته بحفل افتتاح يحتفي بمسيرته منذ انطلاقته عام 1981 وحتى دورة 2026، من خلال سردية تجمع الموسيقى والأغنية الوطنية والعرض المسرحي المستوحى من شخصية الفراهيدي، في صيغة تسعى إلى تقديم تاريخ المعرض بوصفه جزءاً من تطوّر المشروع الثقافي الإماراتي.

نافذة على أوروبا

وفي اتجاه آخر، تفتح الدورة نافذة واسعة على ثقافة البلقان التي تحلّ ضيف شرف، بالتعاون والشراكة مع جمهورية شمال مقدونيا. ويقدم جناح ضيف الشرف برنامجاً يضيء التنوع الثقافي واللغوي للمنطقة، من خلال الأدب والفنون والموسيقى وفنون الطهي، إلى جانب اللقاءات والجلسات الحوارية مع شخصيات ثقافية وفنية وفكرية.

وتحمل استضافة البلقان أهمية تتجاوز التعريف بثقافة جغرافية محددة، بالنظر إلى أن المنطقة تشكلت عبر قرون من التفاعل بين حضارات ولغات وأديان وتجارب إنسانية مختلفة. ولذلك تبدو الاستضافة منسجمة بصورة مباشرة مع شعار الدورة، حيث يتحول المعرض إلى مساحة يستطيع فيها القارئ الإماراتي والعربي أن «يقرأ» منطقة كاملة عبر كتبها وأدبائها وفنونها وذاكرتها.

وفي قلب المشروع العالمي للمعرض، تأتي رواية «دون كيخوته» للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس بوصفها «كتاب العالم». ولا يرتبط الاختيار بشهرة الرواية فحسب، وإنما بقدرتها التاريخية على عبور اللغات والجغرافيا والأزمنة.

فالرواية التي ظهرت قبل أكثر من أربعة قرون ظلت حاضرة في الثقافات المختلفة، وترجمت إلى لغات عديدة، وأثرت في الأدب والفنون والمسرح والسينما وفنون السرد البصري. ويمنحها المعرض مساحة لإعادة القراءة من زوايا مختلفة، بما يجعلها نموذجاً عملياً لفكرة أن الكتاب يستطيع أن يتجاوز موطنه ولغته الأصلية ليصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

ومن خلال «دون كيخوته»، يضع المعرض الأدب العالمي في حوار مع القارئ العربي، فلا يكتفي بتقديم الأعمال الشهيرة، وإنما يعيد طرح السؤال حول قدرتها على الاستمرار والتجدد كلما انتقلت من زمن إلى آخر ومن لغة إلى أخرى.

مسارات متنوّعة

ولا تقف الدورة عند حدود العرض والبيع واللقاءات الأدبية؛ فالبرنامج يتضمن أيضاً مسارات مهنية وتعليمية وإبداعية، إلى جانب مؤتمر متخصص يناقش التحولات والاتجاهات الناشئة في قطاع النشر والصناعات الثقافية والإبداعية. ويعكس ذلك انتقال معرض الكتاب من نموذج يقوم على تجارة الكتب إلى نموذج أوسع يتعامل مع النشر باعتباره جزءاً من الاقتصاد الإبداعي.

وفي هذا السياق، يصبح حضور الناشرين من 95 دولة أكثر من مجرد رقم؛ فهو يعكس شبكة دولية لتبادل حقوق النشر والترجمة والخبرات، ويمنح صناعة الكتاب في المنطقة مساحة للاتصال المباشر بالأسواق والتجارب العالمية.

كما تشهد الدورة مشاركة سبع دول للمرة الأولى، وهو مؤشر إضافي إلى توسع الحضور الدولي للمعرض وتنامي دوره بوصفه منصة ثقافية عالمية.

وتتجه الدورة الجديدة للمعرض أيضاً إلى بناء علاقة مختلفة بين الأجيال الجديدة والكتاب، عبر البرنامج التعليمي وبرنامج الأطفال والناشئة.

ويستعيد المعرض كذلك حضور الشعر العربي من خلال برنامج «ليالي الشعر»، الذي يقدم أمسيات ولقاءات وجلسات نقدية بمشاركة مجموعة من الشعراء العرب، في محاولة لإبقاء الشعر في قلب المشهد الثقافي المعاصر.

وبعد 35 عاماً على انطلاقته، يبدو معرض أبوظبي الدولي للكتاب أقرب إلى مشروع ثقافي متكامل منه إلى فعالية سنوية محدودة الأيام.

حول البدايات

ترجع انطلاقة المعرض إلى عام 1981، حين افتتح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، دورته الأولى تحت اسم معرض الكتاب الإسلامي في المجمع الثقافي بأبوظبي، بمشاركة 50 ناشراً، ليبدأ من حدث ثقافي محلي رحلة طويلة نحو العالمية.

وفي عام 1986 حمل اسم معرض أبوظبي للكتاب، وارتفع عدد المشاركين إلى 70 ناشراً، ثم شهدت دورة 1988 مشاركة 80 ناشراً من 10 دول عربية، قبل أن تتخذ مسيرته منعطفاً مهماً عام 1993 مع إقرار انتظامه سنوياً، وانفتاحه بصورة أوسع على دور النشر والرموز الثقافية العربية والدولية.

مع الأعلام

يطلق معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026 مبادرة «أعلام الإمارات»، التي تمثّل مشروعاً وطنياً سنوياً يُعنى بتوثيق التجارب الرائدة لرموز الثقافة والفكر في دولة الإمارات، وتحويل أثرها الفردي إلى معرفة موثقة ومحتوى ثقافي مستدام، والشخصية الأولى التي تحتفي بها المبادرة رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد، محمد المر، لتكريمه، وتسليط الضوء على إرثه الثقافي، وإسهاماته، وتوثيقها.

كما يستضيف المعرض حفل تكريم الفائزين بالدورة الـ20 لجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، مستعرضاً إسهاماتها في دعم التأليف والترجمة والبحث العلمي، وترسيخ حضور الثقافة العربية على الساحة الدولية، انسجاماً مع الدور الذي يؤديه المعرض في دعم الحراك الثقافي وتعزيز الإنتاج المعرفي.

• 6 أيام تستمر فيها فعاليات المعرض الغنية بالثقافة والمتعة.

• برنامج «ليالي الشعر» يقدّم أمسيات ولقاءات وجلسات نقدية بمشاركة مجموعة من المبدعين العرب.

• رواية «دون كيخوته» للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس «كتاب العالم» في الدورة الحالية للمعرض.

الأكثر مشاركة