«ملتقى أدب الرسائل».. يحتفي بتجارب ثقافية وفن يختفي
احتفاءً بالرسالة، بوصفها فناً أدبياً وتجربة إنسانية وثقافية توثق الفكر والمشاعر والعلاقات بين المبدعين عبر الزمن، نظّمت مكتبة محمد بن راشد «ملتقى أدب الرسائل»، الذي انطلقت فعالياته، أول من أمس، بمجموعة من الجلسات التي استعرضت تاريخ أدب الرسائل وحضورها في الثقافتين العربية والعالمية، وحملت الندوات العديد من المحاور، منطلقة من «الرسائل في الثقافة الإماراتية»، التي تتناول حضور الرسالة في الذاكرة الثقافية المحلية، وصولاً إلى الرسائل العالمية.
وشهد اليوم الأول من الملتقى جلسات حملت عناوين متعددة، منها «الرسائل في الثقافة الإماراتية»، التي قدمها الدكتور صالح هويدي، و«أدب الرسائل عند أبي العلاء المعري»، التي قدمها الدكتور علي بن تميم والدكتور خليل الشيخ، واستكملت الجلسات مع «رسائل الأدباء مساحة خاصة بين الفن والإبداع»، وشارك فيها علي عبيد الهاملي والدكتور عمر عبدالعزيز وحسين درويش، فيما اختتمت جلسات اليوم الأول مع «رسائل الجاحظ: الأدب والفكر في فن التراسل العربي»، وشارك فيها الدكتور محمد عيسى والأستاذ العربي بن ثائر وأمل صارم.
وعن أهمية الملتقى، تحدث الدكتور علي بن تميم لـ«الإمارات اليوم»، قائلاً: «تأتي أهمية الملتقى من تسليطه الضوء على فن الرسالة، الذي يعتبر فناً له معالمه، وقد تطور منذ ما قبل الإسلام حينما كان التراسل يتم عن طريق الشعر، وقد تطورت الرسائل من الديوانية إلى الأدبية، مع الإشارة إلى أن الرسائل الأدبية لها مواصفات ومعايير، فهي نوع أدبي مستقل وقائم بذاته، وقد مر بتحديات، واندثر تقريباً، ومن هنا تأتي أهمية الملتقى في البحث بهذا الموضوع».
ولفت إلى أن الرسائل في العصر الراهن تطوّرت بشكل مختلف، موضحاً أن الرسالة لها وظيفة أدبية، مستشهداً بازدهار فن الرسائل الديوانية أو السلطانية، التي كانت بمثابة أرشيف في الدولة آنذاك، فكانت تدون الرسائل الواردة والصادرة، مشدداً على أن وظيفة الرسالة تبدلت، فضلاً عن تحولها لنوع أدبي مجهول، واعتبر أن أهمية الحدث تكمن في كونه يبحث في الأنواع الأدبية، والأشكال الأدبية المنحصرة في موضوع الرسائل وخصائصها الفنية عند العرب، والتحولات التي طالت الرسائل، لاسيما أن شكل الرسائل القديمة يختلف عن الحديثة، موضحاً أن الرسائل في دولة الإمارات تحمل شكلاً فنياً شهد الكثير من التحولات، وهناك اختلاف كبير في طريقة الكتابة أو كذلك المراسلات، لاسيما أنه في القدم كان الشعر يأخذ حيزاً كبيراً في الرسائل الأدبية.
من جهته، أكد الدكتور خليل الشيخ، أن فن الرسائل موجود في تراث الأمم جميعاً، فهو فن التواصل، والرسائل تنقسم إلى أقسام عدة، بعضها رسائل مباشرة، وبعضها غير مباشرة، والتراث الأدبي عموماً يميل إلى الرسائل المشفرة وغير الواضحة التي تخفي الهدف أو الغاية ولا تبوح بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الرسائل ذات المعاني المخفية قديمة، وكان يلجأ إليها الأدباء، وقد فعلها ابن المقفع، فضلاً عن وجود الرسائل التي كتبها الجاحظ، والتي تجمع بين البعد العقائدي المعتزلي والبعد الاجتماعي.
وأوضح الشيخ أن البريد الشخصي اليوم شبه انتهى، ولم تعد تأتي الرسائل، وكان الناس ينتظرون ساعي البريد والرسائل بلهفة، بينما اليوم الرسائل قصيرة وسريعة، وفي اللحظة نفسها على الهاتف أو البريد الإلكتروني، وهذا أدى إلى نشوء فن آخر من التواصل، يقوم على الاختصار والسرعة والتكثيف والبعد عن الأبعاد الأدبية تماماً، وبالتالي غابت الرسائل التي تكشف عمق المشاعر، بل تركز على كشف المواقف باختصار، ودون حرص على الجماليات.
وأشار إلى أن الرسائل التي تداولها محمود درويش مع سميح القاسم، والتي نشرت على صفحات المجلات، كانت تؤدي نوعاً من التواصل بسبب الحواجز المكانية. وتحدث عن المراسلات الأدبية بين العديد من الكتاب، لافتاً إلى أن كافكا أرسل إلى ميلينيا 500 رسالة، وهذا يعني أن كافكا لم يعش حياته في الواقع كما عاشها على الورق.
في المقابل، قدم الدكتور صالح هويدي «الرسائل في الثقافة الإماراتية»، مشدداً على أن الرسائل لا تصنف ضمن البلدان، فهي فن موجود في كل البلدان العربية، ولكن ما يميز هذه الرسائل هو موضوعها، موضحاً أنه اختار رسائل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لكونها تمثل رسائل الحكام والقادة، مشيراً إلى أنه أراد إظهار اختلافها عن رسائل الحكام في الكثير من الدول العربية، لأنها لا تخاطب الناس بلغة الحاكم، بقدر ما تخاطبهم بلغة الأب الناصح، مع إبراز قيم المجتمع الإماراتي.
وأشار إلى أن هذه الرسائل كانت تعزز القِيَم المجتمعية، وكانت شفوية، وقد تم جمعها وطباعتها في «دار القاسمي»، وطُبعت المجموعة الأولى للفترة الممتدة من 2011 إلى 2017، مشيراً إلى وجود مشروع لاستكمال هذه الأحاديث والرسائل، مع الإشارة إلى أنه من الممكن تحويل الكتب إلى أشكال فنية أخرى لتكون ذاكرة لهذا البلد والمجتمع.
فعاليات
شهد الملتقى، على مدار يومين، تنظيم ورشة عمل بعنوان «مختبر الرسائل» قدمتها الكاتبة، أمل إسماعيل، وركزت على توظيف الرسالة كمساحة للكتابة الإبداعية والتعبير عن الأفكار والمشاعر، وضمن الفعاليات المصاحبة للملتقى، خصصت المكتبة ركناً بعنوان «اكتب رسالة إلى كاتبك المفضل»، إضافة إلى جلسات «حين يكتب الأدباء لبعضهم: صداقات صنعت الأدب»، «الرسائل في زمن السرعة هل تغير الشكل أم الجوهر»، و«من الرسائل البرتغالية».