من الانفجار العظيم إلى مستقبل الأرض.. حكاية يرويها «متحف التاريخ الطبيعي»

هل ترغب في لمس القمر، أو مشاهدة أنواع من الديناصورات.. الأمر ليس مستحيلاً، فكل ما تحتاجه هو التوجه لجزيرة السعديات في أبوظبي، وتحديداً «متحف التاريخ الطبيعي»، الذي يقدم تجربة معرفية متكاملة تجمع بين البحث العلمي، والتعليم، والتقنيات الرقمية الحديثة، تجعل كل خطوة في المكان بمثابة اكتشاف مذهل للزوار، حتى من قبل دخول المتحف، بفضل تصميمه المعماري الفريد المستلهم من الأشكال الطبيعية والتكوينات الصخرية وعصور الزمن الجيولوجي، ويمتدّ على طول الواجهة البحرية لجزيرة السعديات، رابطاً بين المشهد الطبيعي الأخضر المحيط به وتدفّق مياه الخليج العربي، وهو ما يجعل الجزء الخارجي من المبنى مثل حديقة مفتوحة للمدينة بقدر ما هو معلم ثقافي مميّز.

رحلة إلى أعماق التاريخ

مع الخطوات الأولى داخل المتحف، يجد الزائر نفسه انتقل إلى حقبة بعيدة من خلال هياكل عدد من الديناصورات التي تتوزع في المدخل الرئيس للمتحف، وتعكس جزءاً من المقتنيات النادرة التي تتوزع بين جنبات المكان الذي يمتد على نحو 35 ألف متر مربع، ليضم ثماني قاعات دائمة، إضافة إلى معارض مؤقتة ومختبرات علمية ومراكز تعليمية ومساحات مخصصة للأطفال والعائلات. ولكن قبل الإبحار نحو التاريخ القديم، يتوقف الزائر أمام حدث استثنائي شهدته المنطقة في الثاني من ديسمبر عام 1971، وهو إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تم تخصيص مساحة لعرض مواقع النجوم في أبوظبي ليلة إعلان هذا الحدث المهم. بعد ذلك ينتقل إلى نشأة الكون قبل نحو 13.8 مليار سنة وما يعرف باسم «الانفجار العظيم»، مقدماً ما يشبه إعادة بناء تسلسل الأحداث التي أدت إلى تشكل المجرات والنجوم والكواكب، ويضم هذا القسم نيزك مورشيسون، الذي سقط في أستراليا عام 1969، ويُعد من أشهر النيازك التي درسها العلماء، بعدما كشفت تحاليله عن احتوائه على عشرات الأحماض الأمينية والمركبات العضوية، ما عزز الفرضيات العلمية التي تشير إلى أن اللبنات الأساسية للحياة ربما جاءت إلى الأرض عبر النيازك في بدايات تكوّن النظام الشمسي. ويحتوي النيزك على حبيبات نجمية تعود إلى ما قبل نشأة الشمس، ويقدر عمرها بسبعة مليارات سنة، بما يجعله أقدم مادة تم تحديد عمرها على الإطلاق على سطح الأرض، وأول نيزك تم فيه اكتشاف الأحماض الأمينية الفضائية وهي اللبنات الأساسية للبروتينات. وعلى بعد خطوات يجد الزائر قطعة من القمر تحمل اسم «الشفة 002»، التي تم اكتشافها في صحراء ليبيا عام 2024، وهي تمثل نوعاً نادراً من النيازك القمرية، سقطت قبل آلاف السنين على الأرض بعد انفصالها عن القمر نتيجة اصطدام.

«ستيجوتيترابيلودون الإمارات»

ومن المقتنيات النادرة في المتحف، الهيكل العظمي الشهير للديناصور «ستان»، أحد أكثر هياكل ديناصور التيرانوصور ريكس (Tyrannosaurus rex) اكتمالاً في العالم، إذ تبلغ نسبة اكتماله نحو 70%، ويعود عمره إلى أكثر من 67 مليون عام. ويُعد «ستان» من أهم الاكتشافات الأحفورية في العصر الحديث، وقد أسهم في العديد من الدراسات العلمية المتعلقة بعالم الديناصورات، إضافة إلى أضخم كائن عُرف على وجه الأرض، وهو الحوت الأزرق، ويتجسّد في المتحف بأنثى يبلغ طولها 25 متراً، يتمكن الجمهور خلالها من التعرف إلى رؤية استثنائية عن التطور، وتنوّع الحياة البحرية، واستمرارية قصة الحياة على كوكبنا. كما يستكشف في القسم نفسه، التاريخ الطبيعي لشبه الجزيرة العربية، والتغيرات الكبيرة التي شهدها المناخ في المنطقة، وتأثير هذه التغيرات على الطبيعة، ومن أبرز المعروضات في هذا القسم نوع من الفيلة يُعرف باسم «ستيجوتيترابيلودون الإمارات»، ويعد من أبرز الاكتشافات المحلية التي وجدت في أبوظبي، وهو من فصيلة الفيلة القديمة التي تميزت بامتلاكها أنياباً في الفكين العلوي والسفلي معاً، وهي سمة نادرة لا توجد لدى الفيلة الحديثة، ما يمنح الزوار نظرة فريدة إلى مسيرة تطور هذه الكائنات، ويعكس في الوقت نفسه غنى المنطقة بالإرث الطبيعي الفريد.

نظرة على المستقبل

ولا يقف متحف التاريخ الطبيعي على الماضي فقط، بل يفرد مكاناً للمستقبل، بما يعكس رؤية دولة الإمارات في جعل الثقافة والعلوم ركيزتين للتنمية المستدامة، ويعبر عن جهودها في حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية. فيوضح القسم الخاص بالمستقبل كيف استثمرت الدولة في المحميات الطبيعية، وإعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض، والتوسع في زراعة أشجار القرم، ومشروعات الطاقة النظيفة، كما تستثمر في نشر المعرفة البيئية، باعتبارها الأساس الذي تنطلق منه جهود حماية الطبيعة، وذلك بهدف تعزيز الوعي البيئي لدى الزوار، خصوصاً الأجيال الشابة، وهو ما يجعل المتحف أكثر من مجرد صرح ثقافي جديد، فهو رسالة تؤكد أن فهم الماضي هو السبيل إلى حماية المستقبل، وأن صون البيئة يبدأ بالمعرفة، وأن الاستثمار في العلم هو استثمار في استدامة الحياة للأجيال القادمة.

حدائق معلقة

يمتد متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي على مساحة تتجاوز 35 ألف متر مربع، وصمّمته شركة ميكانو المعمارية العالمية ليجسد تكوينات الصخور الطبيعية. وأبرز ما يميز المتحف معمارياً هو نظام الحدائق المعلقة، الذي يحوّل المبنى إلى مشهد طبيعي حي يمتزج فيه العمران بالمساحات العامة والعناصر البيئية. وتشكّل هذه الحدائق طبقات خضراء تتدرج على الواجهات والبُنى، لتجعل من المتحف كياناً نابضاً يرتبط بالبيئة المحيطة بدلاً من أن يكون منفصلاً عنها.

. من المقتنيات النادرة في المتحف، الهيكل العظمي الشهير للديناصور «ستان»، أحد أكثر هياكل ديناصور التيرانوصور ريكس اكتمالاً في العالم.

. يتوقف الزائر أمام حدث استثنائي شهدته المنطقة في 2 ديسمبر 1971، وهو إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تم تخصيص مساحة لعرض مواقع النجوم في أبوظبي ليلة إعلان الحدث المهم.

الأكثر مشاركة