في «دبي للرطب».. مؤسسات حكومية تحول «شجرة الحياة» إلى إنتاج وهوية وأمن غذائي
تشكل النخلة في دولة الإمارات أكثر من مجرد شجرة زراعية، فهي شجرة حياة وإرث تاريخي، ورمز أصيل يعكس عمق الارتباط بالأرض والهوية الوطنية. وفي خطوة تعكس تضافر الجهود المؤسسية لترسيخ هذا الموروث، شهدت النسخة الثالثة من فعالية «دبي للرطب»، التي ينظمها مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث في «قلعة الرمال»، تنافساً فريداً ورائداً بين الجهات الحكومية التي لم تكتف بتزيين مقارها بأشجار النخيل فحسب، بل حولتها إلى مشاريع زراعية رائدة ترفد منظومة الأمن الغذائي.
وتأتي مشاركة المؤسسات الحكومية للعام الثالث على التوالي اليوم، لتعكس استراتيجية وطنية واضحة، تهدف إلى تكريس دور النخلة في المجتمع الإماراتي، وتحفيز الموظفين والمتعاملين على حد سواء للاهتمام بالرقعة الخضراء، انطلاقاً من رؤية القيادة الرشيدة التي جعلت من استدامة الموروث الزراعي ركيزة للتنمية الشاملة، لتتحول الفعالية من مجرد منصة لعرض أجود أنواع التمور، إلى ميدان تتنافس فيه الدوائر الرسمية على ريادة العناية بالنخلة واستثمارها بأساليب مبتكرة.
أثر ومكتسبات
في بداية لقائه مع «الإمارات اليوم»، توقف الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، عبدالله حمدان بن دلموك، عند الرؤية الاستراتيجية الشاملة للحدث، الذي انطلق بتوجيهات سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، لخدمة النخلة وتعزيز دورها الاجتماعي كرمز من رموز دولة الإمارات للمواطن والمقيم، قائلاً: «اكتفينا بتسمية الحدث (دبي للرطب) ولم نقل مهرجاناً، لأننا حرصنا على إشراك المؤسسات الحكومية، على اعتبار أن توجهنا لدعم النخلة، كان اجتماعياً وليس تجارياً، عبر إطلاق مسارات عدة، مثل شوط (نخلة البيت) لتحقيق شعار (نخلة في كل بيت)، فلم نعتمد على أصحاب المزارع ممن لا تتعدى نسبتهم 1%، بل أدمجنا النخلة في كل مكان». وأضاف «كما استحدثنا (كأس الندر) لنعترف بكل رطبة في الإمارات، لاسيما التمر النابت من النواة، والذي أثبت حضوره القوي على المائدة الخليجية، فيما أضفنا شوطاً لأفضل أنواع الرطب في العالم، وأطلقنا (الداس الذهبي) ليكون بمثابة كأس للتميز، فالداس هو أداة تنظيف النخلة، ومن دونه لا تعد المزارع مزارع».
وحول المكتسبات التي حققها الحدث بعد ثلاث سنوات، اختتم بن دلموك حديثه قائلاً: «بدا الجميع اليوم مدركين قيمة وأهمية النخلة، أما النجاح الحقيقي بالنسبة لنا، فيتحقق عندما نرى النخلة في كل بيت إماراتي، حتى وإن لم يشارك أصحابها في المسابقة، إذ نركز أهدافنا دوماً على تعزيز قيمة النخلة كرمز أصيل للدولة، وترسيخ الهوية الوطنية لدى كل فئات المجتمع».
مستويات احترافية
وفي سياق تقييم المشاركات، أكد عضو لجنة التحكيم في فعالية «دبي للرطب» خلفان علي السويدي لـ«الإمارات اليوم»، أن تخصيص منافسات للجهات الرسمية يمثل خطوة استثنائية، قائلاً: «لاشك في أن شوط الدوائر الحكومية يعتبر شوطاً مميزاً جداً، لأننا نشرك من خلاله القطاع الحكومي في المهرجان، لنؤكد أن هذه النخلة يجب أن تكرم، وألا تبقى مجرد زينة أو شكل في مقار تلك الدوائر».
وأوضح السويدي أن الهدف هو تحفيز هذه الجهات على الاهتمام بالموروث، مضيفاً «خصصنا هذا الشوط ليسهم في زيادة اهتمامهم بالنخيل الموجود لديهم، ورعايته بالسقاية والتسميد، وكل ما يلم بحياة النخلة والحفاظ عليها. وقد شهدنا منذ النسخة الأولى تطوراً واهتماماً أكبر بها، عكسهما هذا العام قيمة وجودة الرطب العالية، وتنوع الأصناف الفاخرة التي قدمتها الدوائر في المسابقة، وأبرزها المزروعي والشيشي والخنيزي والخلاص وغيرها من الأصناف الأخرى».
وأشار السويدي إلى أن المنافسة كانت قوية جداً على مستوى الجوائز الثلاث المخصصة للشوط، في ظل تزايد أعداد الجهات المشاركة عاماً بعد عام، قائلاً: «نرحب بمشاركة الجميع، ونسعى إلى أن تكون النخلة شجرة مثمرة، وليست مجرد زينة، باعتبارها كنزاً من كنوز دولة الإمارات، وركيزة للأمن الغذائي، ما يحتم علينا وضع الاهتمام بها نصب أعيننا على الدوام».
تأهيل الأحداث
وفي إطار الجهود المتميزة، واصل مركز رعاية الأحداث بقطاع مراكز الإصلاح والتأهيل في دائرة القضاء بأبوظبي، ريادته وتتويجه بالمركز الأول للعام الثالث على التوالي، إذ أكد مدير إدارة رعاية الأحداث، العقيد بهيان حمد العامري لـ«الإمارات اليوم» أن هذا الإنجاز يأتي بدعم وتوجيه من سموّ الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، قائلاً: «نسعى دائماً إلى دمج النخلة كجزء من برامج تأهيل الأحداث، حيث نمتلك نحو 350 نخلة، نستخرج منها منتجات كثيرة، نعلّم من خلالها الأبناء، ونشغل وقتهم من أجل تنمية مهاراتهم. كما حققنا اكتفاء ذاتياً لتوفير التمر في المركز، ما يدل على أهمية الاستفادة المثلى من الرطب على مستوى الدولة، فيما نسعى لنشر هذه الثقافة لدى الجميع، عبر مبادرات فاعلة مثل مشروع الحديقة الخاصة بالمركز، على أمل تحقيق الاستفادة العامة من تجربتنا في الاهتمام بالنخلة».
نزرع مساجدنا
وفي إطار هذا التنافس المؤسسي الفريد، نجحت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة في إحراز المركز الثالث في أولى مشاركاتها، حيث أوضح مدير المشاريع في الهيئة، الدكتور عبدالله سهيل العبري، أن هذا الفوز جاء ثمرة لمبادرة «نزرع مساجدنا»، قائلاً: «كان الإنتاج الفائز حصيلة نخيل المساجد التابعة للهيئة، ونتطلع لمشاركات أفضل في السنوات القادمة». وأضاف: «لدينا 3000 نخلة في مساجد أبوظبي، ومثلها تقريباً في الظفرة، بينما نمتلك في مدينة العين أكثر من 12 ألف نخلة».