«فاطمة» نالت تكريمات رفيعة كانت دافعاً لها لمواصلة مسيرتها. تصوير: إريك أرازاس

إماراتية تحوّل محنة «الشلل الدماغي» إلى منحة: فخورة بعملي في صرح يحمل اسماً غالياً

تُمثّل الإماراتية، فاطمة محمد الجاسم، نموذجاً في قوة العزيمة والإرادة والقدرة على تحدي إصابتها بشلل دماغي منذ ولادتها، إذ لم تستسلم أو تختار العزلة، بل حوّلت محنتها إلى منحة، ومرضها إلى وسيلة لمساعدة الآخرين، سواء من خلال أنشطة ومبادرات تطوعية أو وظيفة في أحد أبرز الصروح الثقافية في الإمارات، وهو متحف زايد الوطني.

ووصفت فاطمة نفسها، في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم»، بـ«المحظوظة لنشأتها في أسرة آمنت بها وبقدراتها، ووطن وفر لها كل الفرص ليس فقط لتنجح لكن أيضاً لتسهم في إحداث تغييرات إيجابية لأصحاب الهمم في الدولة»، مضيفة أنها محظوظة أيضاً لإصابتها بهذا المرض، الذي كما وضعها أمام تحديات أكبر من تلك التي يواجهها الذين لا يعانون إعاقات، إلا أنه منحها نظرة مميّزة، وقدرة على رؤية الأمور من جانب مختلف.

وأعربت الشابة المتخصصة في برامج «إمكانية الوصول» بمتحف زايد الوطني عن سعادتها وفخرها بكونها أحد أعضاء فريق العمل في هذا الصرح الضخم، واعتزازها بالاسم الذي يحمله المكان، وهو اسم الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والإرث الذي يُكرّسه، وقالت: «لم أحظَ بمشاهدة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، شخصياً، ولكن الوجود يومياً أمام صوره ومقتنياته وتفاصيل سيرته يُمثّل دافعاً متجدداً لي لتقديم كل ما أستطيع من أجل خدمة بلادي».

تحديات وتكريمات

وعن التحديات التي واجهتها، رأت فاطمة أن أبرزها نظرة أفراد من المجتمع لها منذ طفولتها، وكذلك عدم جاهزية بعض الأماكن لأصحاب الهمم، وهذا التحدي كان دافعاً لها لتختار مجال برامج «إمكانية الوصول» تخصصاً مهنياً، حتى تتمكن من خلال تجربتها أن تشارك، ولو بقدر بسيط، في خدمة المجتمع وأصحاب الهمم، عبر مبادرات وأنشطة تطوعية عدة قامت بها، وهو ما أهّلها للحصول على تكريمات عدة.

وأشارت إلى أن أكثر لحظات الفخر التي تعتز بها عندما كُرِّمت من قادة الإمارات، حيث التقت صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أكثر من لقاء، كما كرّمها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في عام 2017 ضمن «أوائل الإمارات» في مجال الإنسانية والعمل الخيري كصاحبة أول مبادرة مجتمعية تطوعية تُعنى بتوعية المجتمع بفن التعامل مع أصحاب الهمم، مشددة على أن هذه التكريمات الرفيعة كانت دافعاً لها لمواصلة مسيرتها، وأن تكون شخصاً فاعلاً في المجتمع.

«إمكانية الوصول»

وأوضحت فاطمة الجاسم أن تخصص «إمكانية الوصول» يهدف إلى تصميم تجربة متحفية سلسة ومُيسّرة لجميع فئات أصحاب الهمم، على اختلاف درجات وأنواع الإعاقة، لافتة إلى أن عملها لا يقتصر في المتحف على تجارب الزوّار فقط، وإنما يشمل خلق بيئة وظيفية شاملة للموظفين تؤمن بأن لكل إنسان طاقة كامنة، وقدرة على العطاء بغض النظر عن قدراته الجسدية، وذلك منذ افتتاح المتحف أبوابه للزوّار في ديسمبر الماضي.

ونوهت بأن المتحف حرص على توفير خدمات وبرامج تضمن للجميع تجربة سردية المكان وفق أحدث المعايير العالمية، بما يوفر أيضاً تجربة ثقافية مريحة بين صالات العرض والفعاليات المختلفة التي ينظمها المتحف على مدار العام، ويستفيد منها الزوّار والعاملون في المتحف، معربة عن أملها في نشر مفهوم إمكانية الوصول والتصميم الشامل بين أفراد المجتمع من الأعمار كافة، بما يسهم في خلق تجربة أفضل وأكثر شمولاً للأجيال المقبلة.

وذكرت أن البرامج المتخصصة في الشمولية وإمكانية الوصول في متحف زايد الوطني مثال بارز لجهوده في تمكين فئات مختلفة من شرائح المجتمع، من ضمنها أصحاب الهمم وغيرهم، إذ تفتح هذه البرامج المجال أمام أفراد المجتمع ليشاهدوا أنفسهم كجزء من تجربة المتحف، وتصحبهم في رحلة عبر تاريخ الإمارات الممتد لآلاف السنين، بأساليب عصرية، بداية من مدخل المكان المجهز بكل الوسائل المساعدة، مروراً بمكتب التذاكر، وصولاً إلى قاعات العرض، إضافة إلى تصميم مبادرات إمكانية الوصول، والارتفاعات المصممة بشكل خاص للمقتنيات الأثرية ومواضعها في المتحف، فضلاً عن تصميم مساحات العروض والأماكن العامة بما يلائم مستخدمي الكراسي المتحركة.

وحول تجربتها داخل المتحف، نوهت بارتباطها الشخصي بحديقة المسار، التي تُعدّ من مساحاتها المفضلة، ومكاناً تشعر فيه بالهدوء، فالحديقة بمثابة معرض خارجي، يروي قصة الوالد المؤسس الشيخ زايد من خلال المناظر الطبيعية التي ألهمت مسيرته، وما تضمه من نباتات محلية من ثلاث مناطق: الصحراء، والواحة، والبيئة الحضرية، وهي المناطق المكونة للبيئة الإماراتية.

سيرة عطاء

فاطمة الجاسم، ناشطة ومستشارة في تمكين أصحاب الهمم، وهي أول إماراتية تحصل على اعتماد دولي في الشمولية، وسهولة الوصول، ونالت ميدالية أوائل الإمارات عن أول مبادرة تطوعية في فن التعامل مع أصحاب الهمم، وشغلت مناصب بارزة، منها عضوية المجلس الاستشاري للسياسة الوطنية لأصحاب الهمم، ومجلس دبي للشباب، كما مثّلت الدولة في مؤتمرات دولية كأول مندوبة إماراتية شابة في الأمم المتحدة، ومؤتمر الإعاقة العالمي.

حازت فاطمة جوائز عدة، منها القائد الأكثر تأثيراً في المنطقة، وجائزة الشيخة فاطمة للذكاء المجتمعي، وتسهم في خلق بيئة دامجة عبر السياسات والتصميم الشامل، وعملت مستشارةً في «كوب 28»، وأسهمت في سياسة كويت جديدة 2035، كما أطلقت برامج تدريبية في جامعة نيويورك أبوظبي، والتعليم الشامل.

فاطمة الجاسم:

. المرض كما وضعني أمام تحديات أكبر من تلك التي يواجهها الذين لا يعانون إعاقات، إلا أنه منحني نظرة مميّزة، وقدرة على رؤية الأمور من جانب مختلف.

. أرتبط بشكل شخصي بحديقة المسار في متحف زايد الوطني، وهي مساحتي المُفضلة والمكان الذي أشعر فيه بالهدوء.

. 2017 كُرِّمت «فاطمة» ضمن «أوائل الإمارات».

. تخصص «إمكانية الوصول» يهدف إلى تصميم تجربة متحفية مُيسّرة لجميع فئات أصحاب الهمم، على اختلاف درجات الإعاقة.

الأكثر مشاركة