مسيرة عكست تحولات المجتمع الإماراتي من البدايات إلى الحداثة
الإمارات تُودّع سلطان بن خليفة الحبتور.. رجل دولة وقامة إبداعية
سلطان بن خليفة الحبتور «1942- 2026». أرشيفية
برحيل الشاعر الإماراتي الكبير، سلطان بن خليفة الحبتور، عن عمر ناهز 84 عاماً، تطوي الإمارات صفحة أحد وجوهها الثقافية التي جمعت بين العمل الوطني والإبداع الأدبي، في مسيرة امتدت أكثر من ثمانية عقود، عكست تحولات المجتمع الإماراتي من البدايات إلى زمن الحداثة.
وُلد الحبتور عام 1942 بدبي في بيئة تقليدية، كانت الكلمة فيها جزءاً من الحياة اليومية، ومعبِّرة عن الهوية والانتماء، في تلك الأجواء تشكّل وعيه المبكر فجمع بين التكوين العلمي والانتماء الثقافي، قبل أن يتجه إلى الدراسة العسكرية في القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية عام 1967، ليبدأ بعدها رحلة مزدوجة بين العمل العام والإبداع.
وفي مطلع السبعينات، ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كان الحبتور من الأسماء التي شاركت في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، فقد تولى مناصب حكومية مهمة، من بينها وكيل وزارة الأشغال ثم وكيل وزارة العمل، وأسهم في صياغة ملامح العمل الإداري في مرحلة التأسيس، كما شارك في المجلس الوطني الاتحادي، ليكون شاهداً ومشاركاً في رسم السياسات العامة للدولة الفتية.
غير أن الوجه الآخر في شخصية الحبتور كان أكثر حضوراً في الوجدان الثقافي، فقد كان شاعراً يكتب بالفصحى والنبطي، ويزاوج بين حساسية التعبير وعمق التجربة، وجاءت قصائده محمّلة بملامح إنسانية واضحة، تتأرجح بين التأمل والحنين والانتماء الوطني والانشغال بقضايا الإنسان، وفي دواوينه الكثيرة، التي تنوعت عناوينها ومضامينها، يمكن قراءة سيرة ذاتية غير مباشرة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التحولات الاجتماعية التي شهدتها الإمارات.
ولم يكن شعره مجرد تعبير جمالي، بل كان امتداداً لدور المثقف الذي يعيش قضايا مجتمعه ويعكسها في نصوصه، لذلك حافظ على حضور متوازن بين الأصالة والتجديد، فبقي قريباً من التراث، من دون أن ينفصل عن روح العصر، وهذه المعادلة جعلت تجربته جسراً بين جيلين: جيل التأسيس وجيل الحداثة.
ومع تقدّم السنوات، ظل الحبتور حاضراً في المشهد الثقافي، ليس بوصفه اسماً من الماضي بل كصوت مستمر في العطاء، وقد شكّلت تجربته نموذجاً للمثقف الإماراتي الذي لا ينفصل فيه الإبداع عن المسؤولية الوطنية، ولا تنفصل فيه الكلمة عن الفعل.
ولم يكن حضور سلطان بن خليفة الحبتور في المشهد الثقافي الإماراتي حضوراً عابراً أو موسمياً، بل امتداد متصل لتجربة طويلة تشكّلت على تقاطع العمل الوطني مع الوعي الإبداعي. فمنذ بداياته، لم يتعامل مع الشعر بوصفه نشاطاً جانبياً، بل كجزء من مسؤوليته تجاه المجتمع، وأداة لحفظ الذاكرة وتوثيق التحولات التي عاشتها الإمارات العربية المتحدة خلال مرحلة التأسيس وما بعدها.
وفي المجالس الثقافية والمنتديات الأدبية، كان الحبتور اسماً حاضراً بصوته ونصه، مشاركاً في إثراء الحوار حول هوية الشعر الإماراتي، وحدود العلاقة بين التراث والتحديث، وقد أسهم هذا الحضور في ترسيخ مكانته كأحد الأصوات التي لم تكتفِ بالكتابة، بل شاركت في صياغة الذائقة العامة، خصوصاً في زمن كانت فيه الحركة الثقافية في طور التشكل والبحث عن ملامحها الخاصة.
أما على مستوى الإنجاز الأدبي، فقدّم الحبتور تجربة غنية من حيث الكم والنوع، حيث تنوّعت دواوينه بين الشعر الفصيح والنبطي، في محاولة واعية لردم الفجوة بين الشكلين، وإبقاء التواصل قائماً بين جمهورين مختلفين. ومن بين أعماله التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة تجربته، يبرز ديوان «وحي الزهور» بوصفه أحد نصوصه المبكرة التي عكست حساسية وجدانية واضحة، بينما يأتي «همس الجراح» ليكشف جانباً أكثر عمقاً وتأملاً في التجربة الإنسانية، متناولاً الألم بوصفه حالة وجودية لا مجرد تجربة عابرة.
في إصداراته «ظلال الشموع» و«ذرات الحنين»، تتكثف ثيمة الذاكرة، حيث يتحول الماضي إلى مادة شعرية حية تستعيد تفاصيل المكان والإنسان، بينما يعكس «رذاذ الأماني» نزوعاً نحو الأمل، حتى في لحظات الانكسار، أما «صدى البيداء» و«شدو الزمن»، فيقدّمان صورة أوضح عن ارتباطه بالبيئة الإماراتية، حيث تتجلى الصحراء لا كخلفية مكانية فحسب، بل كرمز ثقافي وروحي.
ويكتسب ديوان «إبداعات نبطية» أهمية خاصة، كونه يعكس انخراط الحبتور في الشعر الشعبي، وقدرته على مخاطبة الوجدان المحلي بلغته الأقرب، من دون أن يفقد العمق أو البعد الفني، كما تمثّل أعمال مثل «بوح الخوافي» و«فيض الشجون» و«هنا همسات» مراحل متقدمة من تجربته، حيث تبدو اللغة أكثر صفاء، والتأمل أكثر نضجاً، وكأن الشاعر يكتب من موقع الخبرة لا التجربة فقط.
تتجاوز أهمية سلطان بن خليفة الحبتور حدود كونه شاعراً صاحب دواوين متعددة، ليصبح جزءاً من ذاكرة ثقافية تشكّلت في لحظة تاريخية حاسمة، فحضوره لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى قائمة الشعراء، بل كان إسهاماً فعلياً في بناء خطاب أدبي يعكس روح المجتمع الإماراتي، ويواكب تحولاته، ويمنحه في الوقت نفسه صوتاً قادراً على البقاء.
. تتجاوز أهمية سلطان بن خليفة الحبتور حدود كونه شاعراً صاحب دواوين متعددة، ليصبح جزءاً من ذاكرة ثقافية تشكّلت في لحظة تاريخية حاسمة.
. جمع بين التكوين العلمي والانتماء الثقافي، قبل أن يتجه إلى الدراسة العسكرية في القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية عام 1967.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news