مركز جمعة الماجد ومتحف معبر الحضارات يكشفان عن «الأنطيفوناري المودِخاري»

من الأندلس إلى «بلد التعايش».. مخطوط نادر يروي حكايته في دبي

حضور لافت خلال الكشف عن المخطوط في متحف معبر الحضارات بدبي. من المصدر

كشف متحف معبر الحضارات، بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، خلال فعالية ثقافية نُظّمت في منطقة الشندغة في دبي، أول من أمس، عن تفاصيل وقصة مخطوط أندلسي يُعدّ من أبرز وأندر النماذج الكاملة في العالم، وهو «الأنطيفوناري المودِخاري» الذي يعود إلى القرن الـ14 الميلادي.

وجاءت الفعالية تحت عنوان «شواهد حية على التلاقي بين الإيمان والجمال الفني وحوار الحضارات عبر العصور»، بحضور عدد من المسؤولين والقناصل والمهتمين.

وأكد المشاركون أن احتضان هذا المخطوط في دولة الإمارات يعكس مكانتها بوصفها ملتقى للحضارات، ونموذجاً عالمياً للتعايش والانفتاح.

ويُعدّ هذا المخطوط، المعروف بـ«الأنطيفوناري المودِخاري»، من أبرز النماذج الكاملة لفن الأناشيد التجاوبية المستخدمة في المراسم الجماعية في أوروبا خلال العصور الوسطى. ويعكس هذا العمل تلاقياً فريداً بين الفن الغربي المسيحي، من حيث النصوص الليتورجية والبنية الموسيقية، والفن الإسلامي، من حيث الزخارف الهندسية والنهج البصري، في إطار ما يُعرف بالتقليد المودِخاري الذي نشأ في الأندلس نتيجة التفاعل الحضاري بين الثقافات.

ويُظهر هذا التداخل أن الأناشيد التجاوبية لم تكن مجرد ممارسة دينية فحسب، بل فضاء احتضن تعبيراً فنياً مشتركاً، حيث التقت التقاليد الموسيقية الغربية مع الحس الجمالي الإسلامي في عمل واحد يعكس روح العصر.

وقال النائب الرسولي لجنوب الجزيرة العربية، المطران باولو مارتينيلي، إن وجود هذا المخطوط في دولة الإمارات «يتناغم مع دورها كمساحة تجمع بين الشعوب والثقافات»، مشيراً إلى أنه يجسد تلاقياً حضارياً يعكس قدرة المجتمعات على التفاعل والتعايش، ويحمل في طياته أبعاداً ثقافية وإنسانية مشتركة.

وأضاف أن هذه المبادرات «تُعزّز الحوار بين الثقافات وترسخ قيم السلام والتفاهم، وتُسهم في بناء مستقبل قائم على الاحترام المتبادل والانفتاح».

من جانبه، أكد مؤسس متحف معبر الحضارات، أحمد عبيد المنصوري، أن المخطوط «لا يمثّل مجرد قطعة تاريخية، بل هو شاهد حي على واقع تاريخي موثق، حيث تفاعلت الحضارات وأسهمت في إنتاج المعرفة وتقدّم المجتمعات»، مشيراً إلى أن «الحضارات لا تنمو في العزلة، بل من خلال التلاقي والتفاعل».

وأوضح أن احتضان متحف معبر الحضارات لهذا العمل يأتي انسجاماً مع نهج دولة الإمارات في ترسيخ قيم التعايش والانفتاح، وتعزيز دور الثقافة كجسر للتواصل بين الشعوب.

من ناحيته، أكد مدير عام مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الدكتور محمد كامل جاد، أن هذه الفعالية تأتي انسجاماً مع رسالة مؤسس المركز، جمعة الماجد، التي تقوم على إنقاذ أي مخطوطة أو كتاب معرض للتلف في العالم، مهما كانت لغته أو موضوعه أو مؤلفه، انطلاقاً من الإيمان بأن الكتاب يمثّل إرثاً حضارياً للإنسانية جمعاء. وأشار إلى أن المركز يعمل على دعم جهود الحفاظ على المخطوطات عالمياً، من خلال توفير أجهزة وتقنيات الترميم لعدد من المؤسسات الثقافية، بما يُسهم في صون هذا الإرث الإنساني للأجيال المقبلة.

يشار إلى أنه لم يتبقّ اليوم من هذا النوع من المخطوطات الكاملة سوى عدد محدود على مستوى العالم، ويوجد أغلبها في مكتبات وأرشيفات متخصصة في أوروبا، ما يجعل وجوده في دولة الإمارات إضافة نوعية للمشهد الثقافي العالمي.


صفحات من الرَّق

يمثّل المخطوط كتاباً كبيراً كان يُستخدم في التراتيل الجماعية، وتكشف صفحاته المصنوعة من الرق، وأنماط تدويناته الموسيقية، وطريقة تجليده، عن أهميته في الحياة اليومية آنذاك، بينما تعكس زخارفه الهندسية وتأثيراته الفنية ملامح التبادل الثقافي بين المجتمعات، في سياق تاريخي شهد انتقال المعرفة والحِرَف بين الحضارات، وأسهم في تطور الفنون والعلوم.

تويتر