المعرفة الرقمية حقٌ للطفل .. ومسؤولية وطنية

صورة


بقلم : هنادي اليافعي

 لم يعد الحديث عن المعرفة الرقمية خيارًا تربويًا إضافيًا أو مهارة مكملة، بل أصبح حقًا أصيلًا من حقوق الطفل، وضرورة وطنية في مرحلة تتشكل فيها ملامح اقتصاد المستقبل.
يأتي يوم الطفل الإماراتي هذا العام تحت شعار "الحق في المعرفة الرقمية" في سياق وطني يتسم بتسارع التحول الرقمي في دولة الإمارات. 
هذا التحول لا يقتصر على تحديث الخدمات أو اعتماد تقنيات جديدة، بل يعيد صياغة أنماط التعلم والعمل والتفاعل الاجتماعي، ويؤثر بصورة مباشرة في تكوين وعي الأجيال الجديدة ومساراتها المستقبلية.
وإذا أردنا إدراك حجم هذا التحول في حياة الأطفال اليوم، تكفي نظرة إلى أنماط استخدامهم اليومية للتقنية، إذ تشير البيانات العالمية إلى أن الأطفال بين 8 و12 عامًا يقضون ما يقارب خمس إلى ست ساعات يوميًا أمام الشاشات لأغراض ترفيهية فقط، بينما يتجاوز المعدل لدى المراهقين ثماني ساعات يوميًا. 
ومع إدماج التعليم الرقمي ضمن المنظومة التعليمية، أصبحت البيئة الرقمية مساحة يومية أساسية يتشكل فيها إدراك الطفل للعالم.
بهذا المعنى، لم تعد البيئة الرقمية امتدادًا للحياة الواقعية، بل أصبحت إحدى بيئات التنشئة المؤثرة في بناء المعرفة والقيم والسلوك.
 وإذا كانت الأسرة والمدرسة تؤديان تاريخيًا دورًا محوريًا في تشكيل وعي الطفل، فإن الفضاء الرقمي بات شريكًا ثالثًا في هذه المعادلة، وفي الوقت ذاته يفرض تحديات تستدعي استعدادًا واعيًا.
غير أن الإتاحة وحدها لا تعني التمكين، فالمعرفة الرقمية لا تُقاس بقدرة الطفل على استخدام الأجهزة أو التنقل بين المنصات، بل بقدرته على الفهم النقدي، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وإدراك طبيعة المحتوى الذي يتعرض له، إذ تُظهر تقارير دولية، من بينها تقرير Ofcom حول استخدام الأطفال للإعلام، أن ما يقارب ثلث الأطفال والمراهقين تعرضوا خلال العام الماضي لمحتوى يعتقدون أنه غير دقيق أو مضلل. 
كما تشير دراسات صحية إلى ارتباط الاستخدام المفرط للشاشات ببعض المؤشرات المتعلقة بجودة النوم ومستوى التركيز، مما يؤكد أن إدارة العلاقة مع التقنية لا تقل أهمية عن إتاحتها. 
ومن هنا، فإن بناء حصانة رقمية لدى الطفل لم يعد خيارًا وقائيًا فحسب، بل استثمارًا استراتيجيًا في قدرته على التفاعل الواعي مع عالم متغير. هذه الحصانة ترتكز على ثلاثة محاور مترابطة: ترسيخ مهارات التفكير النقدي والتحقق من المصادر، وتعزيز ثقافة حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وتنمية السلوك المسؤول الذي يحترم القيم المجتمعية في الفضاء الرقمي.
الأسرة تمثل نقطة الانطلاق في هذا المسار، من خلال المتابعة الواعية وتنظيم أوقات الاستخدام والمرافقة الفعلية للطفل في استكشاف العالم الرقمي، كما تضطلع المدرسة بدور محوري في دمج مهارات الوعي الإعلامي والتفكير التحليلي ضمن العملية التعليمية، بما ينسجم مع توجهات الدولة نحو اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والابتكار.
وعندما تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة، يصبح الإطار الوطني هو الضامن لاستدامة هذا التمكين. وفي دولة الإمارات، تنسجم هذه الرؤية مع بنية تشريعية متقدمة، واستراتيجيات وطنية للأمن السيبراني، وبرامج تعليمية رقمية تواكب التحولات الاقتصادية. 
إن تمكين الطفل رقميًا ليس مشروعًا مرحليًا يرتبط بمناسبة سنوية، بل مسار مستدام يعكس إدراكًا بأن بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة عالميًا يبدأ من الطفولة، فبقدر ما نُحسن إعداد أطفالنا للتفاعل الواعي والمسؤول مع البيئة الرقمية، نؤسس لمجتمع أكثر توازنًا، واقتصاد أكثر قدرة على قيادة المستقبل بثقة وثبات.

 

تويتر