لوحة اجتماعية متكاملة ومائدة تجمع الأهل وأبناء الفريج
«فوالة رمضان».. كرم إماراتي يتجدّد من بعد التراويح إلى الفجر
في شهر الخير، وبين جنبات البيوت الإماراتية، لا تُعد «فوالة رمضان» مجرد مائدة عامرة بالأطباق، بل هي عنوان لكرم الضيافة، واستقبال الضيف بمحبة، وجمع الأهل والجيران وأبناء الفريج حول سفرة تصنع الألفة قبل أن يقدم الطعام.
وتتجلى «فوالة رمضان» بعد صلاة التراويح، حين تمتد السفرة بألوانها الزاهية، من الهريس والبلاليط والخبيصة والعصيدة واللقيمات، إلى الفواكه والقهوة العربية المعطرة بالهيل، لتتزين الأمسية الرمضانية بالوجوه المبتسمة، وأحاديث السوالف التي تملأ المكان دفئاً.
وأكد مختصون في التراث لـ«الإمارات اليوم» أن «فوالة رمضان» تعد مساحة يستعيد فيها الكبار حكايات وعلوم الأهل والأحبة، ويتعلم الصغار فيها معنى الضيافة والاحترام، موضحين أن فوالة الأمس كانت بسيطة، تعتمد على أطباق شعبية محدودة مع القهوة والتمر، لكن اليوم اتسعت وتنوعت، ودخلتها أصناف جديدة من الحلويات الشرقية والعالمية. ورغم هذا التغير، يبقى جوهرها واحداً: «لمة» تُحيي رمضان في كل بيت، وتجمع العائلات والأصدقاء.
مساحة للمحبة
وقالت رئيسة اللجنة النسائية لجمعية شمل للتراث الشعبي والمسرح، الوالدة «أم راشد» مريم سعيد الواجف، إن «فوالة رمضان» تمثل مشهداً حياً للهوية الإماراتية، وتعزز روح المشاركة والتكافل، وتعد مساحة يتعلم فيها الأجيال الجديدة معنى التعاون، وتمنحهم فرصة لتقدير التراث الشعبي والفنون التي تشكّل هويتنا، مشيرة إلى أنها تذكّر الجميع بأن الأصالة لا تفقدها الأيام، وأن الحفاظ على التراث الثقافي مسؤولية جماعية.
بينما رأى الإعلامي المختص بالتراث الإماراتي، عبدالله خلفان البلوشي، أن «(فوالة رمضان) كانت نقطة تجمّع أساسية للأهل والجيران، يقدَّم فيها التمر والبلاليط والقهوة، ويتبادل الجميع الأخبار و(علوم بعضهم)، فهي مساحة لنقل خبرات الكبار إلى الشباب، حيث (كلام الكبار ذهب)»، مشيراً إلى أنه من خلال «فوالة رمضان»، كان بالإمكان رؤية روح الأصالة والتواصل الاجتماعي، وكيفية نقل القيم التقليدية للأجيال الجديدة، فكل طبق على المائدة يحكي قصة عائلة، وكل لقاء اجتماعي يعكس ترابط المجتمع الإماراتي وقيمه، حسب تعبير البلوشي.
أما الإعلامية حليمة الرئيسي، فرأت أن «فوالة رمضان» تعكس الترابط في المجتمع الإماراتي، وتغرس في الأجيال الجديدة قيم المشاركة، واحترام العادات الأصيلة، وروح الشهر الكريم التي تجمع الناس على المحبة والكرم، مضيفة: «أحياناً، أرى في (فوالة رمضان) أمثلة حيّة على قوة العلاقات الأسرية وكيفية تعزيز الروابط بين الجيران، فالضيف يُستقبل بحفاوة، والبيت يفتح أبوابه لقلوب الناس قبل أطباق الطعام. هذه التجربة الحية تعطي بعداً ثقافياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله، فهي جزء من ذاكرة المجتمع وهويته».
أسلوب حياة
من ناحيتها، قالت يدوه (الجدة) شديية، إن «(فوالة رمضان) في البيت الإماراتي لم تكن مجرد إعداد للطعام، بل أسلوب حياة متكامل وعادة اجتماعية تربّت عليها الأجيال. كبرنا ونحن نراها تتكرر أمام أعيننا حتى أصبحت جزءاً من هويتنا وذاكرتنا الجماعية».
وأوضحت: «منذ ساعات الضحى، كانت المرأة الإماراتية تبدأ رحلتها اليومية في المطبخ استعداداً لسفرة الإفطار التي لا تخلو من الأطباق الثابتة في كل بيت إماراتي، فالهريس حاضر دائماً، والفريد يتوسط السفرة، واللقيمات طبق لا يمكن الاستغناء عنه، إلى جانب الحلويات الشعبية، وإن كان بعض طرق إعدادها القديمة قد اندثر، إلا أن حضورها لايزال ثابتاً على المائدة الرمضانية».
وأضافت الجدة: «بعد أذان المغرب والإفطار، كانت البيوت تعيش لحظات من الهدوء والراحة القصيرة، قبل أن تستعد النساء لصلاة التراويح، حاملات سجاداتهن إلى المسجد، في مشهد يعكس روحانية الشهر وخصوصيته».
وأوضحت: «مع انتهاء التراويح، كانت تبدأ صفحة أخرى من رمضان القديم؛ صفحة العلاقات الاجتماعية التي كانت أساس الحياة في الفريج. كانت النساء تتجمع يومياً في بيت إحدى السيدات، وتبدأ الزيارات بالمريضة أو الأرملة أو الكبيرة في السن، فيجلسن معها يؤنسنها ويخففن عنها، في صورة صادقة من صور التكافل الاجتماعي الإماراتي».
وتابعت الجدة: «كانت تلك الزيارات تمتد لساعات من السمر والحديث والسوالف، يتبادلن خلالها الأخبار،ويخططن لليوم التالي، فتقول إحداهن: (باكر أنا بسوي)، وترد الأخرى: (لا، خليها علي)، فيتناوبن إعداد الأطباق وتوزيع الجهد بمحبة وتعاون، دون تكلف أو مواعيد مسبقة. بعد ذلك، كانت المرأة تعود إلى مسؤولياتها اليومية، فتجلس مع أبنائها، وتتفقد احتياجات السحور، فإن كان جاهزاً ارتاحت، وإن لم يكن بدأت بإعداده، ثم تشرع في تجهيز فطور اليوم التالي؛ تُخرج اللحم مبكراً، وتغسل حب الهريس، وتبدأ تحضيرات يوم جديد قبل أن تصلي الفجر وتأخذ قسطاً من الراحة».
نكهات الماضي
أما «أم دانة»، فقالت عن الفوالة، إنها تحرص على تقديم اللقيمات الطازجة وخبز القباب على الطريقة التقليدية، فهذا المشهد يمثل لها توطيد العادات والتقاليد الشعبية الإماراتية التي تربّت عليها. وأضافت: «كانت اللقيمات ذهبية اللون، مقرمشة من الخارج وطرية من الداخل، يُسكب عليها الدبس أو العسل بسخاء، فيما جاء خبز القباب ساخناً تفوح منه رائحة الطحين المحمّر، لتكتمل السفرة بنكهات تحمل عبق الماضي، وتعيد إلى القلوب دفء (فوالة رمضان) كما كانت في زمن الأولين».
بينما وصفت موزة النقبي «فوالة رمضان» بأنها من أجمل ما في الشهر الفضيل، معتبرة أنها «تجمع القلوب قبل الأطباق، وكل بيت يشارك بطبق يحمل نكهته الخاصة. أحياناً، أشعر بأن كل لقمة تحمل معها ذكريات وحنيناً لزمن الطفولة، حين كنا نجلس مع جميع أفراد العائلة على المائدة نفسها، نضحك ونتشارك الحكايات، ونتابع تحضيرات الإفطار مع أمهاتنا اللواتي كان لهن سحر خاص في تحويل أبسط المكونات إلى أطباق تنبض بالحب».
وأضافت: «تملأ المسابقات والألغاز وضحكات الأطفال أجواء السهرة، ويستمتع الحاضرون بالتعرف إلى الأطباق المختلفة من الطعام من الجيران والمعارف والأصدقاء. أحياناً، نشهد قصصاً صغيرة تُروى بيننا عن أيام مضت، ونكتشف أن لكل طبق طريقة خاصة يحكي قصة عائلة، وكل طبق يحمل عبق الماضي بروح الحاضر».
وهكذا، تظل «فوالة رمضان» من بعد التراويح وحتى الفجر لوحة اجتماعية متكاملة، تمتزج فيها العبادة باللمة، والضيافة بالهوية، ليبقى الكرم الإماراتي حاضراً في كل بيت.
شهر التواصل

قال الجدة شديية: «بين أطباق الماضي ونكهات الحاضر، تبقى (فوالة رمضان) أكثر من عادة اجتماعية؛ إنها جزء من رمضان في الإمارات، حيث يمتزج الكرم بالإيمان، وتلتقي الذاكرة بالحاضر، ويظل البيت الإماراتي مفتوحاً بمحبة، يقول لكل ضيف: أهلاً بك... في رمضان القلب قبل المائدة. وهكذا كان رمضان الذي اعتدنا عليه، رمضان العمل والمحبة والتواصل».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news